تاريخ

مدافن جبل حفيت: الامتداد الأثري العماني ومكتشفات العصر البرونزي

مدافن جبل حفيت: الامتداد الأثري العماني ومكتشفات العصر البرونزي

مقدمة

في عمق الزمن، حين كانت شبه الجزيرة العربية مسرحاً لنشوء أولى المجتمعات المستقرة، اختارت جماعات بشرية سفوح وقمم سلسلة جبلية قاسية المظهر لتحوّلها إلى مدافن أبدية لموتاها. هذه السلسلة هي جبل حفيت، الذي يتشارك امتداده الجغرافي بين إمارة أبوظبي في دولة الإمارات العربية المتحدة ومحافظة الظاهرة في سلطنة عمان، فاتحاً المجال لتسمية أثرية بأكملها تُعرف اليوم في الأدبيات العلمية باسم “حضارة حفيت” أو “فترة حفيت”. هذه الفترة، التي يعود تاريخها إلى أواخر الألفية الرابعة وبدايات الألفية الثالثة قبل الميلاد، لا تنحصر في موقع واحد، بل تمتد كنسيج حضاري متصل يربط سفوح حفيت في الإمارات بمواقع عمانية بالغة الأهمية، أبرزها بات والخطم والعين في ولاية عبري بمحافظة الظاهرة. والمقالة التي بين أيدينا تسعى إلى تسليط الضوء بشكل خاص على هذا الامتداد العماني، الذي يمثل الوجه الآخر، وربما الأكثر ثراءً من الناحية الأثرية، لهذه الحضارة المبكرة التي مهدت الطريق لما عُرف فيما بعد بحضارة “مجان” التي ذكرتها النصوص السومرية والأكدية.

لقد كان من الطبيعي أن يربط الزائر العابر أو القارئ غير المتخصص بين اسم “حفيت” والموقع الجغرافي المعروف باسمه في منطقة العين الإماراتية فقط، نظراً للشهرة السياحية والإعلامية الواسعة التي اكتسبها ذلك الموقع بعد إدراجه ضمن قائمة التراث العالمي لليونسكو. غير أن الحقيقة الأثرية أعمق من ذلك بكثير؛ فالطراز المعماري الذي يحمل اسم “حفيت” – وهو طراز المدافن المقببة ذات الغرفة الواحدة الشبيهة بخلايا النحل – امتد جغرافياً إلى مساحات واسعة من الداخل العماني، وتحديداً في محافظة الظاهرة، حيث تكشّفت مواقع أثرية بالغة الأهمية توضح أن هذا النمط الجنائزي لم يكن ظاهرة محلية محدودة، بل كان تعبيراً حضارياً شاملاً عن مجتمعات استقرت في شبه الجزيرة العربية الشرقية واستفادت من موقعها الجغرافي للتواصل مع حضارات بلاد الرافدين وبلاد فارس ووادي السند.

نشأة فترة حفيت: السياق الزمني والجغرافي

يُحدد علماء الآثار الفترة الزمنية لحضارة حفيت بما يتراوح بين 3200 و2700 قبل الميلاد تقريباً، أي ما يقارب خمسة قرون من الزمن شهدت خلالها شبه الجزيرة العربية الشرقية تحولات اجتماعية واقتصادية جوهرية. شُيّدت مدافن العصر البرونزي هذه على مدى حقبة امتدت 500 عام بين 3000 و2500 قبل الميلاد وفق بعض المصادر، في حين تشير مصادر أخرى إلى أن البداية كانت أقرب إلى 3200 قبل الميلاد. وبصرف النظر عن دقة التحديد الزمني الذي لا يزال موضع نقاش بين الباحثين، فإن الثابت هو أن هذه الفترة تمثل إحدى أقدم المراحل التي شهدت فيها شبه الجزيرة العربية الشرقية تطوراً معمارياً جنائزياً منظماً يعكس تعقيداً اجتماعياً متصاعداً.

جغرافياً، لا تنحصر فترة حفيت في الجبل الذي يحمل اسمها، بل تمتد كظاهرة ثقافية واسعة. تضم منطقة بات ستة أبراج حجرية ضخمة تعود لفترة حفيت الممتدة بين عامي 3200 و2700 قبل الميلاد، وتتميّز هذه الأبراج بشكلها الدائري واحتوائها على آبار مركزية كانت على الأرجح تستخدم لتخزين المياه أو لأغراض شعائرية، وهو ما يدل على أن سكان هذه الفترة لم يكتفوا ببناء المدافن، بل طوروا أيضاً منشآت معمارية أخرى ذات وظائف اجتماعية واقتصادية وربما دينية. هذا الامتداد الجغرافي الواسع، الذي يربط سفوح جبل حفيت في الإمارات بمواقع بات والخطم والعين في عمان، يؤكد أن هذه الحضارة لم تكن محصورة في بقعة جغرافية ضيقة، بل كانت تمثل نسيجاً ثقافياً متصلاً امتد عبر الحدود السياسية الحديثة التي لم تكن لها أي معنى في ذلك الزمن البعيد.

مدافن جبل حفيت: الطراز المعماري الأصلي

قبل الانتقال إلى الامتداد العماني، من الضروري فهم الخصائص المعمارية الأساسية لمدافن حفيت كما ظهرت في موقعها الأصلي بمنطقة العين. يحتوي كل مدفن من مدافن جبل حفيت على غرفة واحدة، تتميز بشكلها الذي يكون إما بيضويًا أو دائريًا، ويبلغ عرضها أو قطرها 2-3 أمتار، أما المواد المستخدمة في البناء فتشمل صخوراً تم تكسيرها بأشكال مختلفة أو صخوراً خاماً استخدمت كما هي، وجميعها محلية من البيئة المحيطة. هذا الاعتماد على المواد المحلية يعكس طبيعة المجتمعات التي شيّدت هذه المدافن؛ مجتمعات لم تكن تملك تقنيات نقل ثقيلة، بل اعتمدت على ما توفره البيئة الجبلية القاسية المحيطة بها مباشرة.

ومن الناحية الإنشائية، فإن الجدران المحيطة بغرفة الدفن، والتي يبلغ ارتفاعها ما بين 3 و4 أمتار، تنحدر تدريجياً نحو الداخل حتى تتلاقى في النهاية لتشكل قبة تعلو المدفن، وهي تقنية بنائية تُعرف في الأدبيات الأثرية العالمية بـ”البناء الكاذب بالقبة” أو “corbelled vaulting”، حيث تُرص الحجارة بشكل متتالٍ يتقلص تدريجياً حتى تنغلق الفتحة العلوية دون استخدام أي عمد داعمة من الداخل. هذه التقنية، البسيطة في ظاهرها، تطلبت في واقع الأمر معرفة هندسية دقيقة بتوزيع الأحمال والثقل، وهو ما يدحض الفكرة الشائعة بأن مجتمعات ما قبل التاريخ في شبه الجزيرة العربية كانت بدائية التفكير المعماري.

أما المداخل، فكانت ضيقة، وتستطيع كل واحدة من المدافن استيعاب رفات شخصين إلى خمسة أفراد فقط، وهو ما يميزها بشكل جوهري عن الفترة اللاحقة المعروفة بفترة “أم النار” (نحو 2700-2000 قبل الميلاد)، التي شهدت تطوراً في الطراز الجنائزي نحو مدافن جماعية أكبر استوعبت رفات مئات الأفراد. هذا التحول من الدفن الفردي أو شبه الفردي المحدود إلى الدفن الجماعي الواسع يعكس تغيراً عميقاً في البنية الاجتماعية، من مجتمعات صغيرة قائمة على الأسرة الممتدة أو الجماعة المحدودة، إلى مجتمعات أكبر وأكثر تعقيداً تنظيمياً تتشارك في مساحات الدفن الجماعية.

الامتداد العماني: مواقع بات والخطم والعين

هنا يأتي الجزء الأكثر أهمية لموضوعنا، وهو الامتداد الأثري العماني لحضارة حفيت، المتمثل بشكل أساسي في ثلاثية المواقع الأثرية الشهيرة: بات، والخطم، والعين، الواقعة في محافظة الظاهرة، وتحديداً إلى الشرق من ولاية عبري. تعتبر هذه المواقع من المواقع الأثرية والتاريخية التي يعود تاريخها إلى القرن الثالث قبل الميلاد، وتعد ثاني موقع يتم إدراجه ضمن قائمة التراث العالمي في عمان في عام 1988، بعد قلعة بهلاء، مما يعكس الأهمية العلمية والتاريخية الاستثنائية التي يحظى بها هذا التجمع الأثري على المستوى الدولي.

موقع بات: أكبر التجمعات الأثرية

يُعد موقع بات أكبر المواقع الثلاثة من حيث المساحة وكثافة المدافن. يبرز هذا الموقع بانتشار المقابر الأثرية على سطح الأرض وعلى قمم الجبال، والممتدة بين قرية الوهرة وحتى قرية بات، بينما يصل عدد القبور المنتشرة على السفوح الجبلية وحدها ما يقارب 1000 قبر، ويصل عدد القبور الموجودة على السطح بحوالي 130 قبراً. هذا الكم الهائل من المدافن، الذي يتجاوز ألف قبر في موقع واحد، يجعل من بات أحد أكبر التجمعات الجنائزية المعروفة في شبه الجزيرة العربية لتلك الفترة، ويشير إلى أن المنطقة شكّلت مركزاً سكانياً واستيطانياً مستقراً ومزدهراً على مدى قرون طويلة.

ومن المثير للاهتمام أن موقع بات لا يقدم نموذجاً واحداً للدفن، بل يحتوي على نوعين متمايزين من المقابر يعكسان تطوراً زمنياً وثقافياً. يغطي معظم هذه القبور الفترة الممتدة من نهاية الألفية الرابعة وحتى بداية الألفية الأولى قبل الميلاد، ويبرز في الموقع نوعان من المقابر، وهي مقابر حفيت ومقابر أم النار. هذا التعايش بين طرازين معماريين مختلفين في موقع واحد يوفر فرصة علمية نادرة لدراسة التحول التدريجي في العادات الجنائزية وأنماط البناء عبر الزمن، دون الحاجة إلى مقارنة مواقع متباعدة جغرافياً.

من الناحية المعمارية التفصيلية، تتميز مقابر حفيت في موقع بات بخصائص بنائية دقيقة. مقابر حفيت مشيّدة بحيث تحوي جدارين دائريين متتاليين يحيطان بغرفة دفن دائرية أو بيضاوية، غُطّيت أرضياتها بألواح حجرية، وقد شُيّدت الجدران من حجارة غير مشذبة جُلبت من الجبال الجيرية المجاورة ووُضعت دون ملاط. هذا التفصيل المعماري – وجود جدارين دائريين متتاليين بدلاً من جدار واحد كما في بعض النماذج الأخرى – يكشف عن تطور تقني محتمل أو عن تنويع إقليمي في أسلوب البناء، وهو ما يستحق المزيد من الدراسة المقارنة بين مواقع حفيت المختلفة.

أما المداخل، فكانت على شكل مثلث أو مربع، وتتجه إلى الجنوب أو الغرب أو الشرق، وتُسد هذه المداخل بالحجارة بعد عملية دفن الموتى، وهي تفاصيل تعكس وعياً اتجاهياً قد يكون له دلالات شعائرية أو عملية متعلقة بحماية المدفن من العوامل الجوية أو من التعدي.

ولا تقل أهمية المرفقات الجنائزية التي اكتُشفت داخل هذه المدافن عن أهمية بنائها المعماري، فقد دُفن الموتى مع مرفقات جنائزية كالخناجر النحاسية، وقلادات مصنوعة من الخرز، وأدوات حجرية، وأوانٍ فخارية مستوردة من حضارة جمدة نصر ببلاد الرافدين. وهذا الاكتشاف بالغ الأهمية، لأنه يقدم دليلاً مادياً قاطعاً على أن مجتمعات هذه المنطقة لم تكن منعزلة، بل كانت جزءاً من شبكة تجارية وحضارية واسعة امتدت إلى العراق القديم. فوجود فخار “جمدة نصر” – وهي حضارة بلاد رافدية معروفة سبقت السلالات السومرية المبكرة – في مدافن عمانية يعني أن السلع والأفكار والتقنيات كانت تنتقل عبر مسافات شاسعة منذ ما يزيد على خمسة آلاف عام.

وإلى جانب المدافن، يضم موقع بات معالم معمارية أخرى بالغة الأهمية. يحتوي الموقع على أبراج دفاعية كبيرة الحجم ودائرية الشكل، وقد لوحظ أنها منتشرة في مواقع أخرى بمحافظة الظاهرة، وتحتوي على تقسيمات هندسية رائعة، ويبدو أنها كانت بمثابة أبراج حراسة. وجود هذه الأبراج، إلى جانب المدافن، يشير إلى أن مجتمع بات في العصر البرونزي لم يكن مجتمعاً زراعياً بسيطاً، بل كان مجتمعاً يحتاج إلى تنظيم دفاعي وإداري، وهو ما يعزز الفرضية القائلة بأن هذه المنطقة كانت مركزاً استيطانياً يستحق الحماية، ربما لما كانت تختزنه من ثروات أو لموقعها الاستراتيجي على طرق التجارة.

المقبرة الحجرية الكبرى ومدافن “خلايا النحل”

من أبرز المكتشفات في النطاق الأوسع لموقع بات تلك المقبرة المتطورة التي كشفت عنها أعمال المسح والتنقيب. كشفت المسوحات عن وجود مقبرة متطورة في بنائها المعماري، احتوت على 100 مدفن حجري، يبلغ ارتفاع القبر الواحد منها ثمانية أمتار، وهو ارتفاع لافت للنظر يتجاوز بكثير الارتفاعات المعتادة لمدافن حفيت التقليدية، مما يشير إلى أن بعض هذه المنشآت كانت ذات طابع استثنائي، ربما خاصة بشخصيات بارزة في المجتمع أو بمكانة اجتماعية متميزة.

وفيما يخص المحتوى الفخاري المكتشف في هذه المقبرة، فقد عُثر فيها على قطع من الفخار الأحمر يشبه فخار موقع “جمدت نصر” بالعراق، كما عُثر على فخار مزخرف بأناقة تظهر على سطحه ملامح لخطوط سوداء أفقية الشكل، إلى جانب العثور على قطع فخارية أخرى تظهر فيها مقابض للتعليق. هذا التنوع في الأنماط الفخارية – من الفخار الأحمر البسيط إلى الفخار المزخرف بخطوط هندسية دقيقة – يعكس مستوى من التطور الحرفي والجمالي لدى صناع الفخار في تلك الفترة، ويؤكد مجدداً وجود تأثيرات وارتباطات حضارية مع بلاد الرافدين.

ومن الناحية التصنيفية، فإن وصف هذه المدافن بأنها “أبراج تشبه خلايا النحل” يعود إلى شكلها الخارجي المخروطي أو القبيبي، الذي يتكرر بكثافة على التلال المحيطة بقرية بات، مما يخلق مشهداً بصرياً فريداً يُذكّر الزائر بخلية نحل ضخمة منتشرة على المنحدرات الصخرية. والموقع عبارة عن قبور من طراز أم النار في الجزء الجنوبي، وفي الجزء الشمالي قبور خلايا النحل التي ترجع إلى الألف الثالثة قبل الميلاد وتشبه في بنائها مدافن فترة حفيت، كما تم الكشف عن مقبرة احتوت على 100 مدفن مبنية من الحجارة يبدو فيها التطور من مدافن خلايا النحل إلى مدافن فترة أم النار. هذا الوصف بالغ الأهمية لأنه يوثق تحولاً تطورياً ملموساً ضمن موقع واحد، حيث يمكن تتبع الانتقال من نمط حفيت البسيط ذي الغرفة الواحدة المحدودة السعة، إلى نمط أم النار الأكثر تعقيداً واستيعاباً لأعداد أكبر من الموتى، وهو ما يجعل موقع بات بمثابة “متحف مفتوح” لتطور العادات الجنائزية في شبه الجزيرة العربية الشرقية عبر أكثر من ألف عام من الزمن.

موقعا الخطم والعين: امتداد التجمع الحضاري

إلى جانب موقع بات الرئيسي، تتوزع مدافن إضافية في موقعي الخطم والعين القريبين، اللذين يشكلان معاً مع بات وحدة أثرية متكاملة مدرجة ضمن قائمة التراث العالمي تحت مسمى واحد. هذه المواقع الثلاثة، التي تنتشر فيها المدافن والأبراج على مساحة جغرافية واسعة نسبياً، تعكس استمرارية الاستيطان البشري في هذه البقعة من محافظة الظاهرة عبر فترات زمنية متعاقبة، بدءاً من فترة حفيت المبكرة، مروراً بفترة أم النار، وحتى فترات لاحقة وصلت إلى عصور تاريخية أقرب.

والملاحظ أن توزيع المدافن لا يقتصر على سفوح الجبال فقط، بل يمتد إلى قمم المرتفعات والتلال البارزة، وهو نمط توزيعي يتكرر أيضاً في مدافن جبل حفيت بالإمارات، حيث عُثر على مدافن أخرى على طول قمم التلال والمرتفعات البارزة المؤدية من جبل حفيت في اتجاه الشمال من مدينة العين بحوالي 20 كيلومتراً. هذا التشابه في أسلوب اختيار مواقع الدفن – تفضيل القمم والمرتفعات البارزة على السهول المنخفضة – يشير إلى وجود نمط ثقافي مشترك يمتد على نطاق إقليمي واسع، ربما يحمل دلالات رمزية تتعلق بالقرب من السماء أو بالظهور والوضوح البصري للمدافن من مسافات بعيدة، أو لأسباب عملية تتعلق بحماية المدافن من مياه الأمطار والفيضانات الموسمية التي تجتاح الأودية والسهول في هذه المنطقة الجبلية القاحلة.

الروابط الحضارية: مجان وشبكة التجارة القديمة

لا يمكن فهم أهمية مدافن حفيت العمانية بمعزل عن السياق الحضاري الأوسع الذي ينتمي إليه – وهو ما يُعرف بحضارة “مجان”، التي ذكرتها النصوص المسمارية لبلاد الرافدين. في منتصف الألف الثالث قبل الميلاد ظهر اسم مجان لأول مرة في النصوص المسمارية لإمبراطورية بلاد الرافدين، حيث أصبحت عمان منذ تلك الفترة جزءاً لا يتجزأ من شبكة التبادل الحضاري الإقليمي. وتُعرّف حضارة مجان بكونها حضارة عرفت بصناعة تعدين وصهر النحاس كأحد صناعاتها الرئيسية في عمان قبل الميلاد بألفي عام.

وتشير الدراسات الحديثة إلى أن عمان كانت محطة لإعادة تصدير الأخشاب التي تُستورد من الهند، وعُثر فيها على عشرات مواقع تعدين النحاس الأثرية التي تحتوي على خامات نحاس مختلفة نسبياً في تكوينها، ويمكن التعرف على هذه المواقع اليوم من خلال انتشار صخور خبث النحاس الذي خلفته آثار صهر النحاس. وتؤكد المصادر أن قمة هذه السلع التي كانت تُصدّر كان النحاس ومعدن الديورايت والمنتجات البحرية، مما يجعل من النحاس العماني سلعة استراتيجية محورية في اقتصاد العالم القديم بأكمله.

وما يربط هذا السياق الاقتصادي الواسع بمدافن حفيت العمانية مباشرة هو المرفقات الجنائزية المكتشفة فيها؛ فالخناجر النحاسية والدبابيس المعدنية التي عُثر عليها في مدافن بات والمواقع المجاورة ليست سوى انعكاس مباشر لهذا النشاط التعديني والتجاري الذي جعل من عمان أحد أهم مصادر النحاس في العالم القديم. وتؤكد الدراسات أن عُمان شكّلت مركزاً رئيسياً في تجارة النحاس خلال العصر البرونزي، مما يرسخ إدراك أن حضارة مجان كانت فاعلاً اقتصادياً وحضارياً مهماً في تلك الحقبة المبكرة من تاريخ الإنسانية. كما تشير الأدلة إلى أن السبائك النحاسية المكتشفة في مدن مثل أور ولجش تتطابق مع خامات عمانية، مما يعزز الربط بين المصدر العماني والاستخدام الرافدي، وهو دليل علمي دقيق – يستند إلى التحليل الجيوكيميائي للمعادن – يثبت بشكل لا يقبل الشك أن النحاس الذي استُخدم في تشييد بعض أعظم حضارات بلاد الرافدين كان مصدره الجبال العمانية.

ولم تكن هذه العلاقة التجارية مقصورة على تصدير المواد الخام فقط، بل تجاوزتها إلى تبادل ثقافي وإداري أعمق، حيث تكشف الأختام الأسطوانية ذات الطابع الرافدي المكتشفة في عُمان عن وجود تواصل إداري وثقافي بين الطرفين. هذا النوع من الاكتشافات – الأختام الإدارية التي كانت تُستخدم في بلاد الرافدين لتوثيق المعاملات التجارية والإدارية – يشير إلى أن العلاقة بين عمان وبلاد الرافدين لم تكن علاقة تبادل سلع بسيطة، بل كانت علاقة منظمة تتضمن آليات إدارية وتعاقدية متقدمة نسبياً لذلك العصر.

المرفقات الجنائزية: نوافذ على حياة المجتمع القديم

تمثل المرفقات الجنائزية المكتشفة في مدافن حفيت، سواء في موقعها الإماراتي الأصلي أو في امتدادها العماني، مصدراً غنياً للمعلومات حول طبيعة المجتمع الذي شيّد هذه المدافن. فقد عُثر خلال عمليات التنقيب في الموقع على قطع أثرية تعتبر دليلاً على التبادل التجاري الذي كان قائماً في تلك الفترة مع حضارات أخرى، تشمل بلاد الرافدين وبلاد فارس ووادي السند، ومن هذه القطع الأواني الفخارية والخرز والخناجر والدبابيس النحاسية والتحف النحاسية. هذا التنوع الجغرافي في مصادر القطع المكتشفة – من بلاد الرافدين غرباً إلى وادي السند شرقاً – يضع عمان والإمارات في موقع جغرافي محوري يصلح لأن يكون “نقطة عبور” أو “ملتقى طرق” حضاري بين أهم مراكز الحضارة في العالم القديم.

وتجدر الإشارة إلى أن هذا التنوع في المرفقات الجنائزية لا يعني بالضرورة وجود تفاوت طبقي حاد بين أفراد المجتمع، فمدافن حفيت بشكل عام تتميز بصغر حجمها النسبي واستيعابها لعدد محدود من الأفراد (شخصين إلى خمسة)، وهو ما يرجّح فرضية أن هذه المدافن كانت مخصصة لوحدات اجتماعية صغيرة – كالعائلة النووية أو الممتدة – أكثر من كونها مدافن جماعية مفتوحة لعموم المجتمع، كما سيكون عليه الحال في فترة أم النار اللاحقة.

السياق البيئي والاقتصادي لمجتمعات حفيت

لفهم سبب اختيار سكان هذه الفترة لمواقع جبلية قاسية كمدافن، يجب النظر إلى السياق البيئي العام لمنطقة الظاهرة وما حولها. فهذه المنطقة، الواقعة في الداخل العماني والإماراتي، تتميز بمناخ صحراوي قاحل، حيث تشكل الجبال والمرتفعات نقاط ارتكاز مهمة لتوفر مصادر المياه عبر الأفلاج وآبار المياه الجوفية القريبة من سفوحها. ساهم وجود مجموعة من الأفلاج بالإضافة إلى بقايا أقدم مسجد مكتشف في الدولة في أهمية هذا الموقع الذي يمثل قيمة تاريخية كبيرة في الجانب الإماراتي من جبل حفيت، وهو ما يعكس استمرارية الاستيطان البشري في هذه المنطقة من العصر البرونزي وحتى ظهور الإسلام وما بعده.

ويبدو أن سكان هذه المنطقة في العصر البرونزي طوروا نظام معيشة متكيفاً مع البيئة الجبلية الصحراوية، يجمع بين الرعي والزراعة المحدودة بالقرب من مصادر المياه، وبين استثمار الموارد المعدنية – وعلى رأسها النحاس – التي كانت متوفرة في الجبال المحيطة. وقد دفعت هذه الموارد المعدنية، إلى جانب الموقع الجغرافي الاستراتيجي، إلى نشوء شبكة تجارية واسعة ربطت هذه المجتمعات الصحراوية الصغيرة نسبياً بأكبر الحضارات المعاصرة لها، وهو ما تؤكده الشبكة التجارية لعُمان في العصور القديمة التي امتدت لتصل إلى حضارات الشرق الأقصى، والمحيط الهندي، والبحر الأبيض المتوسط، مما جعلها مركزاً تجارياً حيوياً يربط بين الشرق والغرب.

القيمة العلمية والتراثية للموقع العماني

إن إدراج موقع بات والخطم والعين كثاني موقع عماني على قائمة التراث العالمي لليونسكو في عام 1988 لم يكن مجرد تقدير رمزي، بل اعتراف علمي بالقيمة الاستثنائية لهذا الموقع كسجل متكامل لتطور العمارة الجنائزية وأنماط الاستيطان البشري في شبه الجزيرة العربية على مدى آلاف السنين. فمن خلال دراسة هذا الموقع وحده، يمكن للباحثين تتبع التحول من فترة حفيت إلى فترة أم النار، ومراقبة كيفية تطور المجتمع من وحدات صغيرة منعزلة نسبياً إلى تجمعات أكبر وأكثر تنظيماً، وذلك ضمن نطاق جغرافي محدود نسبياً يسهل الوصول إليه ودراسته بشكل متكامل.

وقد جرت أعمال التنقيب والمسح في هذه المواقع على يد بعثات أثرية دولية متعددة الجنسيات على مدى عقود طويلة. منذ بداية سنوات السبعين، قامت السلطنة بالتعاون مع بعثات أثرية مختلفة – دنماركية وألمانية وأمريكية – بالمسوحات والتنقيب في المواقع لعدة مواسم، لمعرفة المزيد عن شواهد هذه الحضارة العُمانية العريقة. هذا التعاون الدولي طويل الأمد أثرى المعرفة العلمية حول هذه المواقع بشكل كبير، وأسهم في رسم صورة أكثر دقة عن تسلسل الفترات الأثرية وعلاقاتها ببعضها، كما عزز من المكانة العلمية لعمان كأحد أهم مراكز الدراسات الأثرية المتعلقة بالعصر البرونزي في شبه الجزيرة العربية.

ومن المهم التأكيد على أن البعثات الأثرية لا تزال، حتى اليوم، تواصل أعمال المسح والتنقيب والدراسة في هذه المواقع وما يحيط بها من مناطق في محافظة الظاهرة، وهو ما يفتح الباب أمام اكتشافات مستقبلية قد تعيد تشكيل فهمنا الحالي لتفاصيل هذه الحضارة المبكرة وعلاقاتها مع محيطها الإقليمي والدولي.

الفروق والتشابهات بين الامتداد العماني والموقع الإماراتي

عند المقارنة بين مدافن جبل حفيت في الإمارات ومدافن بات والخطم والعين في عمان، تظهر تشابهات جوهرية إلى جانب بعض الفروق الدقيقة التي تستحق التوقف عندها. فمن جهة التشابه، يتشارك الموقعان في الطراز المعماري الأساسي: الغرفة الواحدة الدائرية أو البيضوية، الجدران المتقاربة المتدرجة لتشكيل قبة، والمدخل الضيق المحدود السعة. كما يتشاركان في طبيعة المرفقات الجنائزية، من الأدوات النحاسية والخرز إلى الفخار المستورد من بلاد الرافدين، مما يؤكد أن المجتمعات التي شيّدت هذه المدافن في الموقعين كانت تنتمي إلى نسيج ثقافي واحد متصل، تشترك في المعتقدات الجنائزية وفي شبكات التبادل التجاري نفسها.

أما من جهة الفروق، فيبرز موقع بات العماني بكثافته الاستثنائية وتنوعه، حيث يحتضن إلى جانب مدافن حفيت التقليدية مدافن من فترة أم النار اللاحقة، فضلاً عن الأبراج الدفاعية الضخمة التي لا نجد لها مثيلاً واضحاً بنفس الحجم في موقع جبل حفيت الإماراتي. هذا التنوع المعماري في الموقع العماني – مدافن، أبراج، ومقابر متطورة يصل ارتفاع بعضها إلى ثمانية أمتار – يرجّح أن منطقة بات كانت مركزاً استيطانياً وإدارياً أكبر حجماً وأهمية، في حين يبدو أن جبل حفيت في الإمارات كان بمثابة موقع جنائزي متخصص ارتبط بمجتمعات استقرت في واحة العين القريبة.

خاتمة

يمثل الامتداد الأثري العماني لحضارة حفيت، المتجسد بشكل رئيسي في مواقع بات والخطم والعين، صفحة بالغة الأهمية من تاريخ الإنسانية المبكر في شبه الجزيرة العربية. فهذه المواقع، التي تحتضن ما يزيد على ألف مدفن منتشر على السفوح والقمم، لا تقدم فقط دليلاً على وجود مجتمعات بشرية منظمة ومستقرة منذ أكثر من خمسة آلاف عام، بل تكشف أيضاً عن شبكة علاقات حضارية واقتصادية معقدة ربطت هذه المجتمعات الصحراوية الصغيرة بأعظم حضارات العالم القديم في بلاد الرافدين وفارس ووادي السند. وقد جاء هذا الترابط الحضاري نتيجة مباشرة لثروة عمان من النحاس وموقعها الجغرافي الاستراتيجي، وهو ما جعلها لاحقاً تُعرف في النصوص المسمارية الرافدية باسم “مجان”، أحد أعمدة التجارة الدولية في العصر البرونزي.

ولا يزال هذا الموقع، بعد أكثر من ثلاثة عقود على إدراجه ضمن قائمة التراث العالمي لليونسكو، مصدراً غنياً للبحث العلمي والاكتشاف، حيث تستمر البعثات الأثرية الدولية والعمانية في تنقيب طبقاته وفك رموز تفاصيله المعمارية والجنائزية. وإن دراسة هذا الامتداد العماني جنباً إلى جنب مع موقع جبل حفيت الإماراتي تقدم صورة أكثر اكتمالاً وعمقاً لفهم واحدة من أقدم الحضارات المنظمة في شبه الجزيرة العربية، حضارة شكّلت، عبر مدافنها الصامتة وأبراجها الشاهقة، جسراً متيناً بين الإنسان وبيئته الصحراوية القاسية، وبين شبه الجزيرة العربية والعالم المتحضر القديم بأسره.

فريق الموسوعة العمانية

فريق الموسوعة العمانية

محرر الموسوعة العُمانية