الحكومة تاريخ

دولة النباهنة في التاريخ العُماني

دولة النباهنة في التاريخ العُماني

تمثّل دولة النباهنة واحدة من أطول وأعقد الفترات السياسية وأكثرها إثارة للجدل في تاريخ عمان الوسيط والحديث. لقد حكمت هذه الأسرة بلاد عمان لقرابة خمسة قرون من الزمان، وهي مدة زمنية هائلة بمعايير الدول والإمارات في العصور الوسطى. طوال هذه القرون الخمسة، تأرجح الحكم النبهاني بين القوة والضعف، والانحسار في قمم الجبال والامتداد إلى الشواطئ والبحار، وتأسيس ممالك وراثية تجاوزت الحدود الجغرافية العمانية لتصل إلى عمق الساحل الإفريقي الشرقي.

بدأت هذه الدولة رسميًا في منتصف القرن السادس الهجري (القرن الثاني عشر الميلادي) وتحديدًا في عام 549 هـ (1154 م)، واستمرت في صراعها وجدلها السياسي والعسكري حتى الربع الأول من القرن الحادي عشر الهجري وتحديدًا عام 1034 هـ (1624 م). ولم تكن هذه القرون الخمسة تسير على وتيرة واحدة من الاستقرار، بل انقسمت تاريخيًا وسياسيًا إلى فترتين رئيسيتين تفصل بينهما اضطرابات عنيفة، وحركات تمرد قبلية، وفترات قصيرة استعاد فيها نظام الإمامة التقليدي أنفاسه وسيطرته على البلاد.

عاش المجتمع العماني في ظل حكم النباهنة تحولات سياسية واجتماعية وفكرية عميقة ومؤثرة. فقد شهدت هذه الحقبة الصدام الحتمي والصراع المستمر بين نظامين للحكم: نظام “الملكية الوراثية” أو “السلطنة الزمنية” الذي مثّله ملوك بني نبهان، ونظام “الإمامة المنتخبة” القائم على الشورى والبيعة الحرة، وهو الأصل الدستوري والفكري والسياسي لدى أتباع المذهب الإباضي الذي يشكّل السواد الأعظم من سكان عمان الداخل. هذا التدافع المستمر بين السلطة الزمنية للملوك والسلطة الدينية والشرعية للأئمة والعلماء، أضفى على الحقبة النبهانية طابعًا دراماتيكيًا غنيًا بالحروب الأهلية، والغزوات الخارجية، والتحالفات المتناقضة، والإنتاج الأدبي والعمراني المتميز الذي لا تزال شواهده قائمة حتى اليوم في الحصون الطينية العظمى والأفلاج والقصائد الشعرية الخالدة.

أولًا: أصل بني نبهان ونسبهم والسياق التاريخي لظهورهم

إن دراسة أصل ونسب العائلات الحاكمة في شبه الجزيرة العربية ليست مجرد ترف نسبي، بل هي مفتاح أساسي لفهم العصبية القبلية والتحالفات السياسية التي قامت عليها الدول. وفي حالة بني نبهان، نجد أن المسألة النسبية قد حظيت بتباين كبير في آراء النسابين والمؤرخين العمانيين والمسلمين، حيث انقسمت الأقوال في أصلهم ونسبهم إلى اتجاهين رئيسيين، يعبر كل منهما عن خلفية تاريخية وفكرية معينة.

1. القول الأول: النسب الطائي القحطاني

يذهب هذا الاتجاه، وهو الأوسع انتشارًا والأكثر قبولًا لدى شريحة كبيرة من المؤرخين، إلى أن النبهانيين ينتمون في أصولهم إلى قبائل الغوث بن طيء، وهي من أشهر القبائل القحطانية اليمنية التي هاجرت واستقرت في شمال الجزيرة العربية وشرقها. وينتهي نسبهم وفقًا لهذا الرأي إلى:

نبهان بن عمرو بن الغوث بن طيء بن أدد بن زيد بن يشجب بن عريب بن زيد بن كهلان.

وقد أيّد هذا القول ودعمه النساب العماني الأقدم والأشهر أبو المنذر لفت بن جمعة الصحاري في كتابه المرجعي “الأنساب”، ووافقه في ذلك نسابون ومؤرخون خارج عمان مثل ابن عنبة، والمؤرخ محمد عبد القادر بامطرف. وفي هذا السياق، يذكر الباحث أمبوسعيدي مؤكدًا هذا النسب وموضحًا طبيعة القبيلة الحالية:

«النبهانيون من قبائل الغوث بن طيء، وينتهي نسبهم إلى نبهان بن عمرو… وقبيلة نبهان مهمة من الناحية التاريخية فقد حكموا عمان على فترات تاريخية متقطعة، وهي قليلة العدد حاليًا».

ويربط بعض المؤرخين جذور سطوتهم السياسية الأولى وظهورهم على مسرح الأحداث العمانية بزمن مبكر جدا يسبق قيام دولتهم الرسمية؛ وتحديدًا في سنة 357 هـ، عندما عهد عضد الدولة البويهي (أثناء السيطرة البويهية على أجزاء من سواحل عمان والخليج العربي) إلى رجل من عمان يدعى عمر بن نبهان الطائي، والذي أقام دعوته ومركزه السياسي في ولاية صحار العريقة التي كانت بمثابة العاصمة التجارية والاقتصادية لعمان في ذلك العصر. هذا الظهور المبكر يوضح أن بني نبهان كانوا يمتلكون عصبية قبلية ونفوذًا سياسيًا واقتصاديًا متراكمًا في المناطق الساحلية والداخلية قبل أن يثبتوا أقدامهم كملوك مطلقين للبلاد.

2. القول الثاني: النسب الأزدي العماني

ينفرد الشيخ المؤرخ والقاضي العماني سالم بن حمود السيابي (توفي في أواخر القرن العشرين) برأي آخر يخالف فيه الصحاري، حيث ينسب بني نبهان إلى قبائل الأزد، وتحديدًا إلى أزد عمان الذين هاجروا بقيادة مالك بن فهم عقب انهيار سد مأرب. ويسوق الشيخ السيابي نسبهم على النحو التالي:

نبهان بن كهلان بن نبهان بن محمد بن ابن نبهان بن عمر بن نبهان بن كهلان بن نبهان بن محمد بن عمر بن ذهل بن نبهان بن عثمان بن أحمد بن زياد بن خالد بن طالب بن علقمة بن شعوة بن قيس بن بشر بن زياد بن محمد ابن المغيرة بن زياد بن البحتري بن ذهل بن زيد بن كعب بن الكبيد بن الحارث بن العتيك بن الأسد بن عمران ابن عمرو مزيقيا بن عامر ماء السماء بن حارثة بن امرئ القيس بن ثعلبة بن مازن بن الأزد.

ويلاحظ القارئ لمدونات الشيخ سالم السيابي التاريخية أنه يصف ملوك بني نبهان بـ “الملوك الطغاة”. وهذا الوصف لم يكن نابعًا من موقف شخصي بقدر ما هو انعكاس للموقف الفقهي والسياسي الصارم لعلماء المدرسة الإباضية في عمان تجاه أي سلطة تحول نظام الحكم من الشورى والانتخاب الشرعي (الإمامة) إلى النظام الوراثي المستبد والاستئثار بالمال العام والسلطة، وهو ما فعله النباهنة طوال القرون التي حكموا فيها.

ثانيًا: عمان في عهد بني نبهان (الحقبتان التاريخيتان بالتفصيل)

لم يكن حكم بني نبهان لعمان والذي امتد لقرابة خمسة قرون متصلًا بالاستقرار والهدوء، بل كان عبارة عن دوامة مستمرة من الصراعات، والمد والجزر السياسي. وقد اتفق المؤرخون على تقسيم تاريخ هذه الدولة إلى فترتين تاريخيتين رئيسيتين، تفصل بينهما فترة من التفكك وإعادة تنصيب الأئمة.

تاريخ دولة النباهنة في عمان (549 هـ - 1034 هـ)
│
├── الفترة النبهانية الأولى (549 هـ - 906 هـ / 1154 م - 1500 م)
│   ├── البداية: وفاة الإمام أبي جابر موسى بن نجاد وفراغ السلطة الدينية.
│   ├── العاصمة: بهلا وحصنها الشهير، ونزوى كمركز علمي وسياسي.
│   └── النهاية: مبايعة الإمام محمد بن إسماعيل والإطاحة بالملك سليمان بن مظفر.
│
└── الفترة النبهانية الثانية (906 هـ - 1034 هـ / 1500 م - 1624 م)
    ├── البداية: تكتل النباهنة في ينقل والمناطق الجبلية واستعادة السيطرة.
    ├── التحدي الخارجي: الغزو والاحتلال البرتغالي للسواحل العمانية (1507 م).
    └── النهاية: قيام دولة اليعاربة بقيادة الإمام ناصر بن مرشد وتوحيد البلاد.

1. الفترة النبهانية الأولى: التأسيس، الازدهار، والانهيار (549 هـ – 906 هـ / 1154 م – 1500 م)

استمرت هذه الفترة ما يقارب أربعمائة عام، وهي الحقبة الأساسية والمركزية التي تشكلت فيها ملامح الدولة النبهانية. بدأت هذه الحقبة إثر حالة من الضعف السياسي والتشتت القبلي الذي أصاب نظام الإمامة الإباضية في عمان، وتحديدًا بعد وفاة الإمام أبي جابر موسى بن نجاد عام 549 هـ (1154 م). وبوفاته، دخلت البلاد في فراغ سياسي وفقهي كبير، ولم ينجح العلماء في الاتفاق على إمام قوي يجمع شتات القبائل العمانية المتقاتلة.

استغل زعماء بني نبهان، الذين كانوا يمتلكون قوة عسكرية وعصبية قبلية متماسكة في المناطق الداخلية، هذا الفراغ السياسي لإعلان ملكهم وتوطيد نفوذهم. فاتخذوا من مدينة بهلا عاصمة تاريخية واستراتيجية لهم، وقاموا ببناء وتحصين قلاعها وأسوارها العظيمة لتكون مركزًا لإدارة حكمهم وحماية عائلاتهم من ثورات القبائل المنافسة.

تميزت هذه الفترة النبهانية الأولى بالملامح الآتية:

  • تثبيت أركان الملك الوراثي: نجح الملوك الأوائل في فرض سلطتهم على مناطق واسعة من عمان الداخل والخارج، وتحويل السلطة إلى ملك وراثي ينتقل من الآباء إلى الأبناء أو الإخوة، متأثرين في ذلك بالنظم السياسية السائدة في العالم الإسلامي المحيط بهم (كالعباسيين، والبويهيين، والسلجوقيين).
  • مواجهة الغزوات الخارجية: لم تكن عمان معزولة عن العالم، بل تعرضت في هذه الفترة لعدة غزوات خارجية طامعة في ثرواتها وموقعها البحري، ومن أشهرها غزوات ملوك هرمز، وغزوات الفرس، والغزوات القادمة من شيراز. وقد خاض النباهنة معارك طاحنة لصد هذه الغزوات، ونجحوا في كثير من الأحيان في الحفاظ على استقلال عمان الداخل، بينما اضطروا في أحيان أخرى لدفع أتاوات أو التنازل المؤقت عن بعض الموانئ الساحلية.
  • الاضطرابات الداخلية والثورات الفقهية: طوال هذه القرون الأربعة، لم يهدأ علماء الدين الإباضية عن التحريض ضد الحكم النبهاني، معتبرين إياه حكمًا جائرًا وخروجًا عن السنن الشرعية. ونتيجة لذلك، قامت عدة ثورات شعبية وقبلية تكللت في بعض الأحيان بنجاح مؤقت في تنصيب أئمة (مثل الإمام مالك بن الحواري، أو الإمام أبو الحسن الخروصي)، والذين دخلوا في حروب كسر عظم مع ملوك بني نبهان، مما جعل الحقبة النبهانية الأولى حقبة حروب واهتزازات مستمرة.

انتهت هذه الفترة الأولى بعد سلسلة من الهزائم العسكرية والاضطرابات الداخلية الحادة التي عصفت بالبيت النبهاني. حيث نجح العمانيون، بدعم وتوجيه من علمائهم وفقائهم، في القضاء على حكم آخر ملوك هذه الفترة وهو سليمان بن مظفر النبهاني، وجرى إعلان انتهاء الملكية النبهانية الأولى ومبايعة محمد بن إسماعيل إمامًا شرعيًا لعمان في سنة 906 هـ (1500 م).

2. الفترة النبهانية الثانية: التفتت، الصراع البيني، والتحدي البرتغالي (906 هـ – 1034 هـ / 1500 م – 1624 م)

لم يكن سقوط الملكية النبهانية الأولى في عام 1500 م يعني نهاية الوجود السياسي لبني نبهان؛ بل إن العائلة الحاكمة تراجعت وتحصنت في معاقلها الجبلية والقبلية التقليدية (مثل ولاية ينقل ومناطق من الظاهرة والجوف)، وبدأت في إعادة تنظيم صفوفها مستغلة التنافس القبلي التقليدي في عمان وضَعْف الأئمة اللاحقين.

امتدت هذه الفترة الثانية بشكل مكثف بين عامي 964 هـ و1034 هـ (1556 م – 1624 م). وتميزت هذه الحقبة بسمات مختلفة تمامًا عن الحقبة الأولى، حيث اتسمت بالتالي:

  • الصراعات البينية الحادة: لم يعد النباهنة كتلة واحدة متماسكة تواجه الأئمة أو القبائل الأخرى، بل دبّ الخلاف القاتل والصراع المرير بين أمراء وملوك بني نبهان أنفسهم من أجل الوصول إلى السلطة والاستئثار بلقب الملك. فتقاتل الإخوة وأبناء العمومة، مما أدى إلى تقسيم مناطق نفوذهم إلى إمارات صغيرة متناحرة ومتهالكة.
  • النزاع المستمر مع القبائل والأئمة: تواصلت الحروب والنزاعات للوصول إلى دكة الحكم بين بني نبهان من جهة، وبين بعض القبائل العمانية الطامحة للسلطة أو الأئمة الذين كانوا يحاولون الحفاظ على كيان الإمامة الهش من جهة أخرى.
  • كارثة الغزو البرتغالي (1507 م): تزامنت هذه الفترة النبهانية الثانية مع أخطر تهديد خارجي واجهته عمان في تاريخها الحديث، وهو وصول الأسطول البرتغالي بقيادة الفونسو دي ألبوكيرك إلى السواحل العمانية عام 1507 م. نجح البرتغاليون في احتلال وتدمير الموانئ العمانية الرئيسية (مسقط، صحار، قلهات، قريات) وبناء القلاع العسكرية فيها والتحكم التام في التجارة البحرية.

وفي الوقت الذي كان فيه البرتغاليون يمارسون أبشع أنواع القمع والسيطرة على السواحل العمانية وينهبون ثرواتها، كان ملوك بني نبهان مستغرقين في حروبهم الداخلية الأهلية في الداخل العماني، وعاجزين تمامًا عن تشكيل جبهة وطنية موحدة لمواجهة هذا المحتل الأجنبي. هذا التفتت والضعف أدى إلى استمرار الاحتلال البرتغالي للسواحل لأكثر من قرن من الزمان، حتى انبلج فجر دولة اليعاربة عام 1624 م بقيادة الإمام الشاب والموحد ناصر بن مرشد اليعربي، الذي نجح في إخضاع النباهنة وتوحيد البلاد والبدء في معركة التحرير الكبرى لطرد البرتغاليين.

ثالثًا: نفوذ الدولة وجغرافيتها السياسية

تميز النفوذ الجغرافي لدولة النباهنة بالمد والجزر والتغير المستمر تبعًا لشخصية الملك الحاكم، ومدى قوته العسكرية، وحجم التحالفات القبلية التي يمتلكها. ويمكن تقسيم الجغرافيا السياسية لنفوذهم إلى ثلاثة ملامح رئيسية:

1. الانحسار في “جوف عمان” والمنطقة الداخلية

في معظم فترات ضعفهم أو في أوقات صراعهم مع الأئمة، كان نفوذ النباهنة ينحسر ويتركز في “المنطقة الداخلية” و”منطقة الظاهرة” الحالية. وكانت مدن مثل بهلا، ونزوى، وإزكي، وينقل هي المعاقل الحصينة والآمنة لملوك بني نبهان. وتعتبر بهلا بحصنها الطيني الشهير وسورها الدفاعي الطويل العاصمة السياسية والأمنية والاقتصادية الأولى للدولة، ومنها كانت تصدر القرارات الملكية وتخرج الجيوش لفرض النظام.

2. الامتداد والسيطرة على الساحل والموانئ

في فترات القوة والاستقرار والازدهار الاقتصادي، نجح ملوك النباهنة الأقوياء في تمديد سلطتهم لتتجاوز جبال الحجر العُماني وتصل إلى السواحل المطلة على بحر عمان والمحيط الهندي. فبسطوا سيطرتهم على صُحار (العاصمة التجارية القديمة) ومسقط وقلهات. وكان الهدف الأساسي من السيطرة على هذه الموانئ هو التحكم في طرق التجارة البحرية الدولية، والاستفادة القصوى من العائدات الجمركية والضرائب المفروضة على السفن التجارية الكبرى القادمة من الهند، والصين، وشرق إفريقيا، ومناطق الخليج العربي.

3. تمرد القبائل وانفرادها بالساحل

نظرًا لطبيعة عمان الجغرافية المعقدة، حيث تفصل جبال الحجر الشاهقة بين الداخل والساحل، ونظرًا للطبيعة القبلية المستقلة للمجتمع العماني، تمكنت بعض القبائل الكبرى المتمردة على حكم النباهنة في فترات ضعف الدولة من الانفراد بالسيطرة على المدن الساحلية وإدارتها بشكل مستقل تمامًا بعيدًا عن سلطة العاصمة المركزية في الداخل. هذا الانفصال الساحلي كان يحرم خزينة الدولة النبهانية من موارد مالية وضريبية ضخمة، ويجعل ملوك الداخل في حالة حصار اقتصادي مستمر يجبرهم على خوض حروب دورية لإعادة إخضاع الساحل.

رابعًا: السلسلة التاريخية لملوك الدولة النبهانية

تعاقب على حكم عمان خلال القرون الخمسة عدد كبير من الملوك والأمراء النباهنة. تميز بعضهم بالحكمة والعدل والشغف بالأدب والشعر، بينما اتسم البعض الآخر بالشدة والبطش والصراع المستمر على السلطة. وتوضح القوائم التالية الأسماء الكاملة والترتيب التاريخي لهؤلاء الملوك كما وردت في أمهات كتب التاريخ العماني:

1. ملوك الفترة النبهانية الأولى

حكم في هذه الحقبة الطويلة (549 هـ – 906 هـ) تسعة عشر ملكًا وأميرًا، تفاوتت مدد حكمهم وقوتهم السياسية، وهم:

  1. الملك سليمان بن سليمان بن مظفر النبهاني: ويعد من أشهر وأبرز ملوك هذه الفترة على الإطلاق. لم يكن حاكمًا سياسيًا وعسكريًا فحسب، بل كان شاعرًا أديبًا مفلقًا وُصف في الأدب العماني بـ “امرئ القيس العماني”، وترك ديوان شعر ضخمًا يوثق تاريخه وحروبه وغرامه.
  2. الملك حسام بن سليمان بن مظفر: الذي شارك في إدارة شؤون الملك وحماية الثغور الداخلية.
  3. الملك سليمان بن مظفر بن سليمان: وعمل على تثبيت أركان الدولة وتوسيع النفوذ التجاري.
  4. الملك مظفر بن سليمان بن مظفر: وشهد عهده مواجهات عسكرية مع قوى إقليمية طامعة في الساحل.
  5. الملك أبو محمد بن نبهان: من الملوك الأوائل الذين ساهموا في صياغة العصبية النبهانية الطائية.
  6. الملك كهلان بن عمر بن نبهان: وتميز عهده بالاستقرار الزراعي والاهتمام بالأفلاج.
  7. الملك عمر بن نبهان: الذي قاد عدة حملات عسكرية لإخضاع القبائل المتمردة في الجوف.
  8. الملك أبو المعالي كهلان بن نبهان: وشهدت فترته تجدد الصدام مع بعض أئمة الدفاع.
  9. الملك أبو محمد نبهان بن ذهل: من الحكام الذين ركزوا على تحصين العاصمة بهلا وزيادة منعتها.
  10. الملك أبو عبد الله محمد بن أحمد بن عمر: وبدأ في عهده تغلغل النفوذ التجاري لملوك هرمز في السواحل.
  11. الملك أبو المعالي كهلان بن محمد: وحاول إعادة التوازن السياسي بين الداخل والساحل.
  12. الملك أبو عبد الله محمد بن عمر: وشهدت فترته اضطرابات قبلية واسعة النطاق.
  13. الملك أبو إسحاق إبراهيم بن أبي عمر بن معمر بن محمد بن عمر بن نبهان: صاحب أطول اسم ملكي، وتميز عهده بمحاولة إصلاح ذات البين بين الفروع النبهانية.
  14. الملك أبو العرب يعرب بن عمر: من الملوك العسكريين الذين خاضوا معارك طاحنة في مناطق الجبل الأخضر.
  15. الملك أبو الحسن ذهل بن عمر: وحكم في فترة اتسمت بالمد والجزر السياسي والاقتصادي.
  16. الملك أبو القاسم علي بن عمر بن محمد بن عمر بن نبهان: وحاول مد جسور التواصل والتحالف مع قوى خارج عمان.
  17. الملك أبو محمد نبهان بن عمر بن نبهان: وعمل على تنشيط طرق القوافل التجارية بين الظاهرة والداخل.
  18. الملك أبو الحسين أحمد بن عمر بن نبهان: وشهد عهده تراجعًا نسبيًا لنفوذ الدولة لصالح حركات تمرد محلية.
  19. الملك أبو عبد الله محمد بن عمر بن نبهان: آخر ملوك هذه الحقبة الأولى والذي تضعضع الملك في عهده حتى سقطت الدولة ومبايعة الإمام محمد بن إسماعيل.

2. ملوك الفترة النبهانية الثانية

شهدت هذه الحقبة (906 هـ – 1034 هـ) تداخلًا وصراعات مريرة، وتعاقب على الحكم فيها ملوك وأمراء حاولوا استعادة المجد الغابر وسط ظروف داخلية وخارجية بالفتك والتعقيد، وهم:

  1. الملك مخزوم بن فلاح: الذي قاد أولى محركات الانبعاث النبهاني الثاني واستعادة السيطرة على بعض المعاقل.
  2. الملك مظفر بن سليمان: وعمل على تجميع شتات المقاتلين النباهنة وتأليب القبائل ضد سلطة الأئمة.
  3. الملك عرار بن فلاح: من الملوك الأقوياء الذين خاضوا حروبًا قاسية ضد القبائل المنافسة في مناطق الجوف والظاهرة.
  4. الملك سليمان بن مظفر (حكم 1462 م): وهو ملك حكم في فترة انتقالية حرجة، ونجح في فرض هيبته على مناطق واسعة وإعادة إحياء النموذج الملكي النبهاني.
  5. الملك مظفر بن سليمان: (ملك آخر يحمل الاسم نفسه أو امتداد لفترة سابقة) واجه تحديات متزايدة من القوى القبلية الناشئة.
  6. الملك فلاح بن محسن بن سليمان: من أشهر وأقوى وأذكى ملوك هذه الفترة الثانية على الإطلاق. تميز عهده ببناء المنشآت العمرانية الكبرى والاهتمام بالبنية التحتية، وهو الذي بنى حصن بيت الرديدة الشهير في بركة الموز، وشهد عهده ازدهارًا اقتصاديًا نسبيًا، وانتهى حكم عائلته وسلالته في نزوى سنة 1626 م (1035 هـ) مع تمدد دولة اليعاربة الكاسحة.
  7. الملك سلطان بن سلطان: وتولى الحكم في ظل تزايد الانقسامات العائلية الداخلية بين أبناء العمومة.
  8. الملك طهماس بن سلطان: وحاول مواجهة الضغوط العسكرية المتزايدة من الأئمة والقبائل المتحالفة معهم.
  9. الملك مظفر بن سلطان: وشهد عهده تفتتًا كبيرًا في جغرافية الدولة النبهانية وانحسارها في معاقل صغيرة وضيقة.
  10. الملك سلطان بن محسن بن سليمان بن نبهان (بدأ حكمه سنة 1556 م): وحاول جاهدًا في بداية حكمه إعادة لم شتات العائلة النبهانية وفرض هيبتها المفقودة ومواجهة الأخطار المحدقة بالدولة من كل حدب وصوب.

خامسًا: الحياة الاقتصادية والاجتماعية في العصر النبهاني

رغم الصورة الذهنية النمطية التي قد تنعكس عن العصر النبهاني باعتباره عصر حروب واضطرابات مستمرة، إلا أن القراءة المتأنية والدقيقة للمصادر التاريخية والآثار الباقية تكشف أن عمان في ظل حكم النباهنة شهدت نشاطًا اقتصاديًا وحضاريًا واجتماعيًا متميزًا لا يمكن إغفاله أو التقليل من قيمته.

1. الزراعة، الري، وعبقرية هندسة الأفلاج

اهتم ملوك بني نبهان اهتمامًا بالغًا بتطوير البنية التحتية الزراعية، لإدراكهم أن استقرار ملكهم في الداخل العماني يعتمد بالدرجة الأولى على الأمن الغذائي والسيطرة على مصادر المياه. وتميز عهدهم بالآتي:

  • شق وتوسيع الأفلاج: والأفلاج هي النظام الهندسي العماني العبقري والفريد لقنوات الري الجوفية. قام النباهنة بصيانة وتوسيع الأفلاج الداودية القديمة وشق أفلاج جديدة في ولايات بهلا، ونزوى، وإزكي، ومنطقة الجبل الأخضر ذات المدرجات الزراعية الشهيرة.
  • تنويع المحاصيل الزراعية: شهدت الواحات العمانية في عهدهم ازدهار زراعة أشجار النخيل بمختلف أصنافها، وزراعة أشجار الرمان، والتين، والعنب، واللوز في الجبل الأخضر، بالإضافة إلى التوسع في زراعة قصب السكر، والقمح، والشعير، والنيلي (الذي كان يُستخدم في صباغة الملابس).
  • الاستقرار الزراعي التنموي: ساهم الاستقرار النسبي وطول فترات حكم بعض الملوك الأقوياء (مثل الملك فلاح بن محسن) في تحويل مناطق مثل “بركة الموز” إلى واحات غناء ومراكز لتجميع وتسويق المنتجات الزراعية المحلية إلى بقية ولايات عمان وخارجها.

2. التجارة الخارجية والامتداد البحري والشرق إفريقي

رغم فقدان النباهنة للسيطرة على السواحل في فترات الضعف لصالح قوى محلية أو خارجية، إلا أن الدولة في فترات قوتها حافظت على شبكة علاقات تجارية وبحرية وثيقة وعميقة مع العالم الخارجي:

  • الهجرة والامتداد في شرق إفريقيا (تأسيس سلطنة باتي): تعد الهجرة النبهانية إلى شرق إفريقيا من أبرز الأحداث التاريخية في العصر النبهاني. حيث هاجرت فروع وأسر من بني نبهان إثر صراعات داخلية في عمان واستقرت في جزر “لامو” و”باتي” و”مومباسا” على ساحل كينيا وتنزانيا الحالي. ونجح النباهنة هناك في تأسيس سلطنة نبهانية مستقلة في جزيرة باتي امتدت لعدة قرون، ولعبت دورًا حضاريًا وتاريخيًا هائلًا في نشر الدين الإسلامي، وتطوير اللغة السواحيلية (التي تداخلت فيها المفردات العربية بشكل كبير)، وبناء شبكة تجارية بحرية ربطت شرق إفريقيا بالوطن الأم عمان.
  • التجارة مع الهند والصين: استمرت السفن التجارية العمانية النبهانية أو السفن الأجنبية التي ترسو في الموانئ الخاضعة للنباهنة في تصدير السلع العمانية التقليدية الفاخرة مثل: اللبان الظفاري عالي الجودة، والخيول العربية الأصيلة (التي كانت تطلبها ممالك الهند بكثرة لاستخدامها في الحروب)، والتمور المجففة، والليمون. وفي المقابل، كانوا يستوردون التوابل والبهارات الهندية، والمنسوجات الحريرية والقطنية الفاخرة، والأرز، والأخشاب الصلبة (مثل خشب الساج) المستخدمة في بناء السفن والبيوت والحصون.

سادسًا: الحياة الثقافية والأدبية والعمرانية

يعد العصر النبهاني، وبشهادة جميع نقاد الأدب والمؤرخين، عصرًا ذهبيًا للشعر العربي الرفيع والأدب الديواني البليغ في عمان. ورغم التراجع النسبي في تدوين العلوم الفقهية الصرفة مقارنة بعصور الإمامة السابقة واللاحقة (نظرا لعدم رضا العلماء عن الحكم)، إلا أن صالونات الملوك النباهنة كانت تعج بالشعراء والأدباء والكتاب.

1. الحركة الشعرية: ديوان الملك سليمان بن سليمان نموذجًا

يمثل ديوان الملك الشاعر سليمان بن سليمان بن مظفر النبهاني وثيقة تاريخية وأدبية وسياسية بالغة الأهمية والخطورة لفهم هذا العصر. لم يكن الملك سليمان مجرد حاكم يكتب الشعر للترويح عن النفس، بل كان شعره مرآة عاكسة لواقع وطبيعة العصر النبهاني بکل تفاصيله وتناقضاته.

تميز شعره بجزالة اللفظ، وقوة العاطفة، والقدرة الفائقة على الوصف والحماسة. ومن خلال قصائده المطولة، نجد رصدًا دقيقًا للمعارك السياسية والقبلية التي خاضها بنفسه، وصراعه المرير مع الطامعين في كرسي ملكه من أبناء عمومته، ووصفه الفني البديع للقلاع والحصون والأسلحة العمانية المستخدمة في ذلك الزمان. ويظهر في شعره الفخر والاعتزاز العظيم بأصله الطائي وبملكه الراسخ، حيث يقول في إحدى روائعه معتزًا بحصنه الشامخ في بهلا وبسلطان عائلته:

نَحنُ بَنو نَبهانَ خَيرُ بَريَّةٍ … وَمَلكُنا في الناسِ مَلكٌ أَقَدمُ

حَصنُ الفُلَيجِ لَنا بَيتٌ وَمَفخَرَةٌ … وَبِالعَوالي لَنا مَجدٌ مُعَظَّمُ

ولم يقتصر الشعر في عهدهم على الملوك، بل ظهر شعراء فحول مدحوا الملوك النباهنة أو هجوهم، وساهموا في إبقاء جذوة اللغة العربية وآدابها مشتعلة وقوية في عمان والخليج العربي.

2. الهندسة المعمارية والإرث العمراني الخالد

ترك النباهنة وراءهم إرثًا معماريًا وهندسيًا مهيبًا يمثل ذروة العمارة الطينية والدفاعية في شبه الجزيرة العربية، وتصنف أجزاء واسعة منه اليوم كإرث حضاري عالمي مدرج تحت رعاية منظمة اليونسكو. ومن أبرز المعالم المعمارية النبهانية الشاهدة على عظمتهم:

  • حصن بهلا الشامخ وسورها العظيم: يُعد حصن بهلا من أقدم وأكبر الحصون الطينية في سلطنة عمان. يعود الفضل في صياغته الهندسية النهائية وتوسيعه وتحصينه الهائل وبناء أبراجه الدفاعية الشاهقة إلى ملوك بني نبهان الذين اتخذوه عاصمة لإدارتهم وملاذًا عسكريًا أمنيًا في أوقات الأزمات والحروب. ويحيط بالحصن والمدينة سور بهلا الطيني الشهير الذي يمتد لمسافة تزيد عن 12 كيلومترًا، وهو مزود بفتحات ومراقب للجنود والمدافع، ويمثل معجزة هندسية ومعمارية بنيت بأيدي العمانيين في العصر النبهاني لحماية الواحة الخضراء وسكانها من الهجمات المباغتة.
  • حصن بيت الرديدة في بركة الموز: يعد هذا الحصن تحفة معمارية أخرى بنيت في أواخر العصر النبهاني وتحديدًا في عهد الملك القوي فلاح بن محسن بن سليمان. يجمع هذا الحصن بذكاء شديد بين المعمار العسكري الدفاعي (من خلال الجدران السميكة والأبراج) وبين الجمال الهندسي المخصص للسكن والإقامة المريحة والإدارة المحلية، وهو يقع في موقع استراتيجي يشرف على مدخل وادي معيدن والفلج الذي يغذي واحة بركة الموز الغناء.

سابعًا: أسباب سقوط وتلاشي دولة النباهنة

إن استمرار بقاء دولة النباهنة على مسرح الأحداث السياسية لعمان لقرابة خمسة قرون كاملة يعد، بالمعيار التاريخي والسياسي، إنجازًا ضخمًا وصمودًا غير عادي للأسرة الحاكمة. ولكن، ومثل كل الدول والممالك عبر التاريخ وتطبيقًا لنظرية ابن خلدون في عمر الدول، تضافرت مجموعة من عوامل الفناء الداخلي والاضطرابات الخارجية لتضع النهاية الحتمية لهذا الحكم الطويل. ويمكن تفصيل واستعراض هذه الأسباب العميقة من خلال الجدول التحليلي الشامل الآتي:

جدول تحليلي لأسباب سقوط الدولة النبهانية في عمان

الرقمعامل السقوط الرئيسيالشرح والتفصيل التاريخي للأثر
1الانقسامات والصراعات العائلية الداخليةتحول نظام الحكم النبهاني إلى نظام ملكي وراثي مطلق أدى في الفترات المتأخرة (خاصة الفترة الثانية) إلى نشوب صراعات دموية حادة وحروب اغتيالات بين الإخوة وأبناء العمومة من أجل الاستئثار بالعرش والتاج. هذا التنافس العائلي البيني مزّق وحدة الأسرة، وشتت قوة جيوشها، وحوّل الدولة إلى إمارات إقطاعية صغيرة متناحرة يسهل القضاء عليها.
2الصدام الأيديولوجي والسياسي مع نظام الإمامةلم يتقبل علماء الدين والفقهاء والمجتمع العماني ذو الخلفية الفقهية الإباضية شرعية الحكم الملكي الوراثي لبني نبهان، واعتبروه خروجًا جائرًا عن مبدأ الشورى والانتخاب الشرعي. هذا الرفض الأيديولوجي المستمر جعل النباهنة في حالة صدام وحروب دورية مستمرة مع الأئمة الذين يبايعهم العلماء، مما استنزف موارد الدولة الاقتصادية وبنيتها البشرية في حروب داخلية لا تنتهي.
3كارثة الغزو والاحتلال البرتغالي للسواحلشكل وصول البرتغاليين عام 1507 م الصدمة الخارجية الكبرى لعمان. حيث احتل البرتغاليون بقوة السلاح والمدافع المتطورة جميع الموانئ العمانية الحيوية. وعجز النباهنة بسبب انشغالهم بالحروب الأهلية في الداخل عن مواجهة هذا الخطر، مما أدى إلى عزل عمان الداخل تمامًا عن بحرها وعالمها الخارجي، وحرمان الخزينة النبهانية من عوائد التجارة والجمارك الساحلية، فتدهورت الدولة اقتصاديًا وعسكريًا.
4تغير خريطة التحالفات القبلية واهتزاز العصبيةاعتمد النباهنة في استمرار حكمهم على عصبية قبلية طائية يمنية قوية وتحالفات مع قبائل معينة. ومع مرور الوقت وطول سني الحكم، اهتزت هذه التحالفات، وتخلت بعض القبائل الكبرى عن دعم الملوك النباهنة بعد أن رأت فيهم ملوكًا مستبدين يثقلون كاهل الشعب بالضرائب والمكوس، وبدأت هذه القبائل تبحث عن بديل سياسي وطني يجمع شتات البلاد.
5بزوغ فجر دولة اليعاربة الموحدة (1624 م)كان السبب الحاسم والنهاية الفعلية للنباهنة هو نجاح العمانيين وعلمائهم في عام 1624 م بمبايعة الإمام الشاب والعبقري عسكريًا وسياسيًا ناصر بن مرشد اليعربي. نجح الإمام ناصر في صياغة مشروع وطني شامل تجاوز الصراعات القبلية، فبدأ بإخضاع وتطهير الجيوب النبهانية المتبقية في الداخل (مثل نزوى، وبهلا، وينقل) وتوحيد الجبهة الداخلية العمانية كاملة تحت راية الإمامة، ليتفرغ بعد ذلك لمعركة التحرير الكبرى ضد البرتغاليين، مسدلاً بذلك الستار نهائيًا وبشكل كامل على دولة بني نبهان.

ثامنة: قراءة نقدية وتقييم حضاري للحقبة النبهانية

تقتضي الأمانة التاريخية والمنهجية العلمية عند دراسة تاريخ دولة النباهنة ألا ننظر إليها بعين واحدة أو من خلال زاوية فقهية أو سياسية ضيقة؛ بل يجب وضع هذه الدولة في سياقها التاريخي والزمني المعقد الذي عاشت فيه.

من الناحية السياسية والعسكرية، يُحسب للنباهنة قدرتهم الفائقة على الحفاظ على الكيان السياسي المستقل لعمان الداخل لقرون طويلة وسط محيط إقليمي مضطرب ومليء بالإمبراطوريات والدول القوية والطامعة. ورغم الصراعات، فقد حمى النباهنة الهوية العربية والأصالة القبلية لعمان، ومنعوا ذوبان البلاد أو خضوعها التام للقوى الفارسية أو غيرها من القوى التي حاولت مرارًا غزو جوف عمان. كما أن مد نفوذهم وسلالتهم إلى شرق إفريقيا (سلطنة باتي) يمثل صفحة مشرقة من صفحات الفاعلية الحضارية والتأثير العماني الخارجي في القارة الإفريقية.

أما من الناحية الاقتصادية والعمرانية، فإن الآثار الباقية لأسوار بهلا، وأبراج نزوى، وحصن بيت الرديدة، وفلج الخطمين، وغيرها من المنشآت الهندسية المائية والمدنية تدحض الفكرة القائلة بأن عهدهم كان عهد دمار وتخلف مطلق. بل توضح هذه الآثار وجود إدارة اقتصادية ووعي هندسي ومعماري راقٍ جدا استطاع تسخير الموارد المحلية لبناء منشآت عملاقة استمرت وتعيش حتى يومنا هذا كشواهد على عظمة الإرث العماني.

وفي المقابل، لا يمكن إغفال الجوانب السلبية العميقة التي صبغت العصر النبهاني، والتي تسببت في النهاية في دمار عهدهم؛ وأبرزها الانفراد بالسلطة، وتحويل الحكم إلى إرث عائلي ضيق يتصارع فيه الإخوة دون مراعاة لمصالح الشعب، وإثقال كاهل السكان بالضرائب غير الشرعية (المكوس) لدفع نفقات الحروب الأهلية وبناء الحصون الشخصية، والأخطر من ذلك كله هو العجز العسكري والسياسي عن حماية السواحل العمانية والمواطنين من بطش وتنكيل الغزو البرتغالي في الحقبة الثانية، وهو العجز الذي كلف عمان قرابة قرن من الاستعمار والدمار التجاري والبحري.

خلاصة واستنتاج

في الختام، تظل دولة النباهنة بكل فتراتها، وملوكها التسعة والعشرين في الحقبتين الأولى والثانية، وحصونها، وقصائدها، وصراعاتها المريرة، حقبة تاريخية محورية وبالغة الأهمية لقراءة وفهم تكوين الشخصية السياسية والاجتماعية لسلطنة عمان الحديثة. إنها الحقبة التي صهرت المجتمع العماني في أتون صراع مرير بين الاستبداد الملكي والشورى الدينية، وبين الداخل الجبلي الحصين والساحل البحري المفتوح على العالم. ورغم كل النقد التاريخي الموجه لهم، فإن النباهنة يظلون جزءًا لا يتجزأ من السجل التاريخي العظيم والحضارة العريقة لعُمان، التي تثبت دائمًا عبر العصور قدرتها على النهوض من وسط الرماد والاضطرابات، لتصنع فجرًا جديدًا من الوحدة والاستقرار والبناء.

فريق الموسوعة العمانية

فريق الموسوعة العمانية

محرر الموسوعة العُمانية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *