تاريخ

موقع سلوت الأثري: المعتقدات الدينية المبكرة وهندسة الحصون المستديرة

موقع سلوت الأثري: المعتقدات الدينية المبكرة وهندسة الحصون المستديرة

في قلب ولاية بهلاء بمحافظة الداخلية، وعلى مقربة من ملتقى وادي بهلاء بسهل وادي سيفم، تنتصب مدينة سلوت الأثرية كواحدة من أعمق الشواهد على التاريخ العماني القديم. يقع حصن سلوت في قرية بسياء التابعة لولاية بهلاء، في موقع جغرافي اختارته الجماعات البشرية القديمة بعناية، حيث توفر التلال المحيطة حماية طبيعية، وتمتد السهول الزراعية على مرمى البصر، وتتقاطع طرق التجارة القديمة التي ربطت الداخل العماني بالمناطق الساحلية.

لم يكن سلوت مجرد حصن منفرد يطل من قمة جبل، بل كان مدينة متكاملة تنبض بالحياة عبر آلاف السنين. تتناثر في السهل المجاور للموقع أصلاف حجرية تمثل لقى مهمة تعود إلى أزمنة بعيدة، فالحجارة هي أهم مكون لمدينة سلوت، حيث تنساب الأصلاف من التلال إلى السهل وتتوزع في كل الأرجاء، وتتخذ مواقع مستديرة وأخرى أشكالاً هندسية مختلفة تمثل أسسًا لمواقع قديمة، تتخللها شبكات من الطرق ومبانٍ متنوعة الحجم والمساحة، ونظام لتصريف المياه، وقنوات للفلج الذي كان يغذي الأرض الزراعية. هذا المشهد الأثري المترامي الأطراف يجعل من سلوت متحفًا مفتوحًا تتقاطع فيه طبقات التاريخ، من العصر الحجري إلى العصر البرونزي، فالحديدي، ثم العصور الإسلامية الوسطى وما تلاها.

الموقع الجغرافي وأهميته الاستراتيجية

اختيار موقع سلوت لم يكن صدفة، بل نتيجة قراءة دقيقة للطبيعة من قبل الإنسان القديم. الموقع يقع على تلة مرتفعة تطل على واحة زراعية خصبة، وهو موضع يجمع بين الدفاع والزراعة والتجارة في آن واحد. فالارتفاع يمنح سكان المنطقة رؤية بعيدة المدى لرصد أي تهديد قادم، بينما توفر السهول المحيطة أرضًا صالحة للزراعة بفضل نظام الأفلاج الذي يعد من أقدم وأكثر الأنظمة الهندسية تطورًا في شبه الجزيرة العربية.

تشير الدراسات إلى أن منطقة وادي بهلاء غنية بمواقع تعود للعصر البرونزي، وأن بعثة جامعة هارفرد كانت أول من قام بتوثيق عدد من هذه المواقع التي تعود إلى الألفية الثالثة قبل الميلاد في عمان. هذا الاكتشاف المبكر فتح الباب لسلسلة طويلة من المسوحات والتنقيبات التي استمرت لعقود، وكشفت تدريجيًا عن حجم وأهمية هذا الموقع الذي ظل لقرون طويلة مطمورًا تحت الرمال، لا يظهر منه للعيان إلا ملامح غامضة لتل رملي ضخم.

رحلة الكشف: من التل الرملي إلى المتنزه الأثري

ظل حصن سلوت لزمن طويل أسطورة محلية أكثر منه موقعًا أثريًا مدروسًا، حتى بدأت أعمال الحفر المنظمة تكشف تدريجيًا عن أسراره. أزيحت تلال الرمال عن الحصن خلال السنوات الخمس عشرة الماضية، وبدا بوضوح وجلاء، أشبه بدرة لم تغيرها عوادي الزمان بل زادتها بهاء وإشراقة. هذا التحول البصري المذهل من تل رملي مهجور إلى معلم أثري شاخص بأبراجه الحجرية يلخص جوهر قصة سلوت: موقع كان يحمل في طبقاته تاريخًا غائرًا في القدم، انتظر قرونًا قبل أن يُكشف الستار عنه.

تعاقبت على الموقع عدة بعثات أثرية دولية، كل منها أضافت طبقة جديدة من المعرفة:

البعثة البريطانية الأولى (1974-1975م): قامت بعثة برئاسة الباحثة بياترس دي كاردي بتكثيف أعمال المسوحات الأولية في المنطقة، لترسم الخطوط العريضة الأولى لأهمية الموقع.

بعثة جامعة برمنجهام (أوائل الثمانينيات): برئاسة الباحثين جيفري وجوسلين أورتشارد، واستكملت أعمال التنقيب الأولي الذي بدأته البعثة البريطانية السابقة.

البعثة الإيطالية من جامعة بيزا (2004م وما بعدها): وهي الأطول عملًا والأكثر تأثيرًا في فهمنا الحالي لسلوت. بدأت أعمال الحفريات والتنقيب في متنزه حصن سلوت الأثري منذ عام 2004م بالتعاون مع البعثة الأثرية الإيطالية من جامعة بيزا، وفي كل مرحلة من مراحل الحفر كانت تتأكد عراقة الموقع وأهميته. استمرت أعمال الاستكشاف الأثري بين عامي 2004 و2019 برئاسة الدكتورة أليساندرا أفنزيني، التي نفذت عددًا من أعمال التنقيب والترميم لحصن سلوت والعديد من القبور التي تعود إلى العصر البرونزي على جبل سلوت.

وفي إحدى المؤتمرات الصحفية، أعلنت رئيسة البعثة الإيطالية عن نتائج مثيرة، حيث أكدت أن الحفريات الأخيرة دلت على أن موقع سلوت يمثل مدينة كبيرة جدًا، أكبر مما كان يُعتقد سابقًا، وأن الأدلة المكتشفة تؤكد عراقة سلوت وأصالتها كونها قلب حضارة مجان في عمان التاريخية. هذا الاكتشاف غيّر الفهم السابق لطبيعة الموقع، من كونه حصنًا دفاعيًا فحسب إلى كونه مدينة متكاملة بكل ما تحمله الكلمة من معنى: أحياء سكنية، ومرافق دينية، وشبكات تجارية، وأنظمة لتدبير المياه.

جهود لاحقة: إلى جانب البعثات السابقة، شاركت بعثات أخرى في تعميق الفهم العلمي للموقع. تقوم وزارة التراث والثقافة العمانية حاليًا، بالتعاون مع بعثة فرنسية، بالبحث والتنقيب حول المنطقة المحيطة بالحصن، في مسعى مستمر لفهم أبعاد هذا الموقع الذي ما زال يكشف عن مفاجآت جديدة مع كل موسم تنقيب.

الطبقات الزمنية: سلوت عبر العصور

ما يميز سلوت عن كثير من المواقع الأثرية الأخرى هو استمرارية الاستيطان فيه عبر فترات زمنية متعاقبة ومتباعدة، الأمر الذي يجعله سجلًا حيًا لتطور المجتمعات الإنسانية في عُمان.

العصر الحجري وبدايات الاستيطان

أرجعت الدراسات الإيطالية الأولى جذور الاستيطان في سلوت إلى ما هو أبعد من العصر البرونزي. كشفت البعثة الإيطالية من جامعة بيزا أن مستوطنة سلوت تعود في جذورها إلى العصر الحجري، وهو ما يضع الموقع في مصاف أقدم مناطق الاستيطان البشري المعروفة في عُمان، ويؤكد أن اختيار هذا الموقع لم يكن مرتبطًا فقط بحاجات دفاعية لاحقة، بل بعلاقة عضوية قديمة بين الإنسان والمكان امتدت لآلاف السنين.

العصر البرونزي: تأسيس الهوية الحضارية

يمثل العصر البرونزي، وتحديدًا مطلع الألفية الثالثة قبل الميلاد، المرحلة المؤسسة لهوية سلوت الحضارية. أكدت نتائج البعثة الإيطالية أن فترة استيطان الموقع تعود إلى العصر البرونزي المبكر في بدايات الألفية الثالثة قبل الميلاد، إضافة إلى مرحلتين من البناء يعود تاريخهما إلى ما بين النصف الثاني من الألفية الثانية قبل الميلاد، ومنتصف الألفية الأولى للعصر الحديدي الأول والثالث.

في هذه الحقبة، شُيدت أهم المعالم الجنائزية والدينية في الموقع. كشفت البعثة عن معالم بارزة من أهمها المدافن الموجودة على قمة جبل سلوت، وبقايا مستوطنة حقيقية تؤكد طبيعة الحياة الاجتماعية المنظمة في تلك الحقبة. كما تشير الأدلة الأثرية المكتشفة إلى علاقة سلوت بحضارات معاصرة كبرى، فقد عُثر على أدلة للتواصل الحضاري بين سلوت وحضارات العالم القديم، مثل حضارة وادي السند، وبلاد فارس، وبلاد الرافدين، في الألفية الثالثة قبل الميلاد. وهذا يضع سلوت في موقع محوري ضمن شبكة تجارية وثقافية واسعة امتدت من شرق آسيا إلى غرب آسيا، حيث كانت عُمان القديمة (أرض مجان كما عرفها السومريون) محطة أساسية في تجارة النحاس والمعادن.

العصر الحديدي: عصر التحصينات الكبرى

شكّل العصر الحديدي نقطة تحول معمارية كبرى في تاريخ سلوت، حيث شُيد الحصن الضخم الذي يُعرف اليوم باسم حصن سلوت. وتكشف الأدلة عن تفصيل مثير: شُيد حصن سلوت الضخم في العصر الحديدي على قمة التل، فوق أنقاض قبرين كبيرين من العصر البرونزي. هذا التراكب المعماري بين الجنائزي القديم والدفاعي الأحدث يعكس استمرارية رمزية ووظيفية للموقع، فالبناء الجديد لم ينشأ من العدم، بل تأسس على أرضية كانت تحمل بالفعل قداسة ودلالة جنائزية عميقة في وعي السكان.

الفترات اللاحقة: من النباهنة إلى اليعاربة

استمرت أهمية سلوت إلى ما بعد العصور القديمة، حيث مر حصن سلوت بفترات تاريخية مختلفة، أولها فترة المستوطنين الأوائل، وثانيها الفترة التي استخدمه فيها النباهنة واليعاربة ليكون مركزًا للحكم. كما تذكر بعض المصادر التاريخية أن منطقة سلوت كانت مسرحًا لأحداث مفصلية في التاريخ العماني القديم، حيث ترتبط الروايات بحركة القبائل العربية وتوافدها إلى عمان، وهو ما يعزز مكانة الموقع كحلقة وصل بين عصور ما قبل التاريخ والتاريخ الإسلامي المبكر.

كما يشير بعض الباحثين إلى وجود موقع آخر يحمل اسمًا مشابهًا في قرية النبأ بولاية القابل بمحافظة شمال الشرقية، ترتبط رواياته بحركة الأزد بقيادة مالك بن فهم، وهو ما يستدعي التمييز الدقيق بين المواقع التي تحمل تسميات متقاربة، إذ يبقى حصن سلوت في ولاية بهلاء بمحافظة الداخلية هو الموقع الأكثر شهرة علميًا وأثريًا.

المعتقدات الدينية المبكرة في سلوت

الدين السحري: المرحلة الأولى من الوعي الروحي

من أكثر الجوانب إثارة في موقع سلوت هو ما يكشفه عن المعتقدات الدينية للإنسان القديم في عُمان. تكرار رمز معين بشكل لافت في اللقى الأثرية يفتح نافذة على عالم روحي غني ومعقد. فقد لاحظ الباحثون وجود مجسمات ونقوش كثيرة للثعابين في موقع سلوت، خاصة المصنوعة من الفخار، وهذا يضع أمام الباحثين دليلًا على المعتقد الديني لتلك الحضارة الغابرة.

ويربط بعض الباحثين هذه الظاهرة بمرحلة دينية مبكرة سابقة على عبادة الأجرام السماوية، حيث يُعتقد أن هذه المعتقدات تنتمي إلى ما يُعرف لدى دارسي الحضارة بـ”الدين السحري”، وهو سابق على “الدين الفلكي” الذي عمّ المنطقة فيما بعد. ومن المهم هنا توضيح طبيعة هذا المفهوم بدقة أكاديمية، فـ “الدين السحري” لا يعني الإيمان بالخزعبلات أو إتيان طقوس ساذجة أو ممارسة ألعاب الخفة، وإنما هو تعبد نحو القوة المطلقة المهيمنة على الكون، باستعمال عناصر تقوم على مهارات نفسية يمارسها الساحر أو الكاهن.

هذا التمييز الدقيق مهم جدًا لفهم العقلية الدينية للإنسان في تلك الحقبة؛ فالأمر لا يتعلق بخرافات بدائية عشوائية، بل بنظام رمزي متكامل يسعى من خلاله الإنسان القديم إلى التفاعل مع قوى كونية يعتقد أنها تتحكم بمصيره ومصير محصوله الزراعي وأمنه. والكاهن أو الساحر في هذا السياق ليس مشعوذًا، بل هو وسيط روحي يحمل معرفة خاصة تؤهله للتواصل مع تلك القوى المهيمنة.

رمزية الثعبان: بين الخصوبة والحماية

لماذا الثعبان بالذات؟ هذا السؤال يشغل الباحثين في علم الآثار والأنثروبولوجيا الدينية المقارنة. ففي حضارات الشرق القديم المتعددة، حمل الثعبان دلالات متعددة ومتشابكة: فهو رمز للخصوبة بسبب قدرته على تجديد جلده، وهو رمز للحماية من الشر، وهو في أحيان أخرى رمز يرتبط بالعالم السفلي وبالموت والبعث معًا.

في سلوت، لم تكن نقوش ومجسمات الثعابين مجرد زخرفة جمالية، بل كانت جزءًا من نظام طقسي متكامل. وتؤكد الاكتشافات الأثرية أن القطع الأثرية المرتبطة بالمدافن التي تعود للعصر البرونزي المبكر تشمل مجموعة من الأواني الفخارية التي برزت عليها نقوش لثعابين، وثعابين برونزية استُخدمت كأدوات نذرية، إلى جانب مغارف برونزية ووعاء برونزي. استخدام الثعابين البرونزية “كأدوات نذرية” تحديدًا يكشف بوضوح أن هذه الرموز لم تكن تزيينية فحسب، بل كانت تُقدَّم كنذور أو قرابين في سياقات طقسية مرتبطة بالموت والدفن، أو ربما بطلب الحماية والخصوبة من القوى التي يمثلها الثعبان.

كما عُثر في الموقع على لقى أخرى ذات دلالة دينية ورمزية واضحة، منها ختم حجري رمادي داكن، هرمي الشكل، يحمل دمغة عبارة عن رسمة ثمانية مثلثات منقوشة، ونقوشًا لنقطة ودائرة، وهي أشكال هندسية تتكرر في الأختام والرموز الدينية القديمة في منطقة الخليج العربي وما حولها، وغالبًا ما تحمل دلالات فلكية أو كونية مرتبطة بنظام معتقدات متكامل يربط بين السماء والأرض، وبين الحياة والموت.

المدافن كمساحات مقدسة

لا يمكن فهم البعد الديني في سلوت بعزل عن نظام الدفن المعقد الذي ميّز الموقع. فالمدافن لم تكن مجرد أماكن للتخلص من الموتى، بل كانت مساحات مقدسة تحمل دلالات اجتماعية ودينية عميقة. وقد عُثر أعلى قمة الجبل في الموقع على مدفن دائري مشيد بالحجارة، يعود إلى بداية الألفية الثالثة قبل الميلاد، وهو ما يكشف عن حرص الإنسان القديم على اختيار أعلى نقطة في المنطقة لدفن موتاه، ربما لاعتقاده أن القرب من السماء يقرّب الروح من عالم الآلهة أو القوى الكونية.

وتنتشر هذه المدافن بشكل لافت في المنطقة المحيطة بالحصن. فبحسب أحد المسؤولين في دائرة التراث، تنتشر مقابر العصر البرونزي على نطاق واسع في موقع سلوت، وتتوزع على قمم ومنحدرات الجبال المحيطة بالمنطقة. هذا الانتشار الواسع للمدافن على المرتفعات يعكس نظامًا جنائزيًا منظمًا يربط بين الجغرافيا الطبيعية للمنطقة والمعتقدات الدينية السائدة فيها، حيث تتحول قمم الجبال وسفوحها إلى “مدينة للموتى” موازية للمدينة الحية في السهل أسفلها.

ولا تقل غرابة وأهمية المدافن المعروفة محليًا بـ”خلايا النحل”، وهي تسمية شائعة في عُمان والإمارات لنوع من المدافن البرجية الدائرية التي تعود إلى أواخر العصر الحجري الحديث وبدايات العصر البرونزي، وتنتشر بشكل خاص في مناطق حفيت وأم النار وما حولها من المواقع التي تشترك مع سلوت في ملامح حضارية وزمنية متقاربة. تتميز هذه المدافن بهيكلها الدائري المتدرج المبني من الحجارة، وغالبًا ما كانت تحتوي على رفات لعدد كبير من الأفراد إلى جانب أثاث جنائزي متنوع، مما يشير إلى كونها مدافن جماعية لها بُعد اجتماعي يتجاوز الفرد إلى الجماعة أو القبيلة بأكملها. وقد أشارت بعض المصادر إلى وجود مدافن برجية في الموقع تُعرف بخلايا النحل، تتوزع في مستويات متعددة من المرتفعات الجبلية، إلى جانب نقوش صخرية ومواد أثرية متنوعة تحمل رموزًا ذات أبعاد طقوسية.

هندسة الحصون المستديرة: تحفة معمارية من حجر

المبنى الدائري كنموذج هندسي مهيمن

من أبرز ما يلفت الزائر والباحث في سلوت هو هيمنة الشكل الدائري على العمارة الدفاعية والجنائزية في الموقع. هذا ليس أمرًا عابرًا، بل يعكس تطورًا هندسيًا واعيًا اختارته المجتمعات القديمة لأسباب وظيفية وجمالية ورمزية متشابكة.

فعلى المستوى الوظيفي، يوفر الشكل الدائري للأبراج والحصون مزايا دفاعية واضحة: فهو يقلل الزوايا الميتة التي يمكن أن يستغلها المهاجمون للاحتماء، ويسمح برؤية بانورامية شاملة من نقطة المراقبة المركزية، كما أنه أكثر مقاومة هيكليًا للضغط والتآكل بمرور الزمن مقارنة بالأشكال ذات الزوايا الحادة. وقد لاحظ الباحثون هذا النمط البنائي المتكرر، حيث تتنوع المباني في الموقع بين مواقع مستديرة وأخرى تأخذ أشكالًا هندسية مختلفة، تمثل أسسًا لمواقع قديمة في مدينة سلوت.

ويشهد الموقع بشكل خاص على ضخامة هذا النمط المعماري، حيث تتميز المنطقة بوجود أبراج دائرية ضخمة وآبار عميقة محفورة في الموقع، إلى جانب مدافن برجية تعرف بخلايا النحل تتوزع في مستويات متعددة من المرتفعات الجبلية. هذا التنوع بين الأبراج الدائرية الضخمة المخصصة على الأرجح للحماية والمراقبة، والمدافن البرجية الدائرية الأصغر المخصصة للدفن، يعكس مرونة استخدام هذا النموذج الهندسي الواحد لتلبية احتياجات حياتية ومجتمعية مختلفة تمامًا.

برج الألف الثالث (ST1): شاهد على التنظيم المعماري المبكر

من أهم الاكتشافات المعمارية في الموقع ما يُعرف بـ”برج الألف الثالث” أو الموقع المعروف اختصارًا بـ”ST1″، وهو بناء دائري يعود إلى العصر البرونزي ويحمل دلالة كبيرة على مستوى التنظيم الاجتماعي والاقتصادي للسكان في تلك الحقبة. فقد أوضح أحد المسؤولين عن الموقع أن التنقيبات في برج العصر البرونزي “ST1” سلطت الضوء على تنظيم التجارة مع الأماكن البعيدة، والتفاعل الثقافي في تلك الحقبة، ولم يقتصر اكتشاف علماء الآثار على أعداد كبيرة من الأواني الفخارية وخرز العقيق المستورد من وادي السند، بل عثروا أيضًا على أدلة استثنائية لإنتاج محلي لأدوات تشبه تلك الموجودة في حضارات أخرى.

هذا الاكتشاف يحمل أهمية مضاعفة: فهو من جهة يثبت أن البرج الدائري لم يكن بنية معزولة، بل كان مركزًا اقتصاديًا واجتماعيًا متصلًا بشبكة تجارية إقليمية ودولية واسعة، تمتد من وادي السند شرقًا إلى بلاد فارس وبلاد الرافدين غربًا وشمالًا، وهو من جهة أخرى يؤكد قدرة السكان المحليين على استيعاب التقنيات الوافدة وإعادة إنتاجها محليًا، مما يعكس مستوى متقدمًا من الحرفية والمعرفة التقنية لدى مجتمع سلوت القديم.

تقنيات البناء: الحصن الركامي والجدران المدرجة

يكشف الفحص الدقيق لمواد البناء وتقنياته في سلوت عن مهارة هندسية لافتة، تحديدًا في أسلوب البناء “الركامي” الذي يعتمد على رص الحجارة الكبيرة بدقة دون استخدام أي مادة رابطة في كثير من الأجزاء، اعتمادًا كليًا على التوازن الهندسي للأحجار وتوزيع الأوزان بشكل محسوب. هذا الأسلوب البنائي، المعروف في الأدبيات الأثرية بالعمارة الركامية أو الجافة، يتطلب معرفة دقيقة بخصائص الحجر المحلي، وفهمًا متقدمًا لمبادئ التوازن والثقل، وصبرًا في اختيار كل حجر ووضعه في موضعه الدقيق.

وتشير بعض الدراسات إلى أن الجدران التحصينية في مواقع مرتبطة بهذه الحقبة بُنيت من أحجار الجبال التي تتخذ أشكالًا مدرَّجة، وهو تصميم هندسي ذكي يسمح بتوزيع أفضل للأحمال ويمنح الجدار مرونة أكبر في مواجهة الحركة الأرضية الطفيفة أو الضغط الجانبي، مع توفير مواقع مرتفعة متتابعة يمكن استخدامها للمراقبة أو الدفاع.

وفي السياق الدفاعي، كشفت الحفريات في الجهة الشمالية من المستوطنة عن نظام تحصين متكامل، حيث عُثر على جدار حجري يحتوي على صخور كبيرة الحجم، يُعد جدارًا دفاعيًا يغلق المستوطنة من الجهة الشمالية، بينما كُشف في الجهة الغربية عن طبقات أرضية موغلة في القدم تقابل الجهة الجنوبية لمستوطنة سلوت. هذا التوصيف يكشف عن تخطيط دفاعي شامل يغطي محيط المستوطنة من جهاتها المختلفة، لا يقتصر على بناء الحصن المركزي فحسب، بل يمتد إلى منظومة أسوار وجدران تحمي المدينة بأكملها.

العلاقة بين الشكل والوظيفة في العمارة الدفاعية

يبرز حصن سلوت كرمز أثري بارز بفضل موقعه الاستراتيجي وتصميمه المدروس. شُيد الحصن في السفح، وله وظيفة دفاعية واضحة، كما تشير بعض اللقى والمعثورات إلى استخدام الموقع في مهام احتفالية ودينية أيضًا، إذ يمثل الحصن الرمز الأثري الأبرز في مدينة سلوت. وهذا الازدواج الوظيفي بين الدفاعي والديني ليس أمرًا غريبًا في العمارة القديمة؛ فالحصون والقلاع في كثير من الحضارات القديمة لم تكن مجرد منشآت عسكرية باردة، بل كانت غالبًا مراكز رمزية تحمل دلالة سلطة وقداسة معًا، يجتمع فيها البعد الزمني (السلطة السياسية والعسكرية) بالبعد الروحي (الطقوس والاحتفالات الدينية).

ويؤكد البناء على مرحلتين معماريتين متعاقبتين هذا التطور التدريجي للموقع، فبحسب الدراسات، بدأ بناء الحصن منذ العصر الحديدي المبكر، واستمر في فترات لاحقة من العصر الحديدي والعصور الوسطى. هذا التعاقب البنائي يكشف عن استمرارية استخدام الموقع وتجدد أهميته الاستراتيجية والرمزية عبر قرون طويلة، إذ لم يُهجر الموقع بعد بنائه الأول، بل استمر السكان في تطويره وإضافة طبقات بنائية جديدة تتناسب مع حاجات كل عصر.

نظام المياه: الأفلاج كإنجاز هندسي مواكب

لا يمكن فهم عبقرية سلوت الهندسية دون الحديث عن نظام الأفلاج الذي يعد من أبرز الإنجازات الهندسية للحضارة العمانية القديمة. فالحصون والأبراج الدائرية لم تكن منفصلة عن نظام متكامل لإدارة المياه، الذي كان بمثابة شريان الحياة الذي مكّن الاستيطان المستقر من الاستمرار لآلاف السنين.

أشارت التنقيبات الأثرية إلى وجود نظام الأفلاج في سلوت يعود إلى الألفية الأولى قبل الميلاد، حيث يتجه خط سير الأفلاج في واحة سلوت نحو الجهة الشمالية الغربية من الحصن، وتوجد بقايا لقناة مفتوحة كانت تُستخدم لري المزارع المتناثرة على جوانبها. وتشير الأدلة الفخارية إلى تزامن وجود المستوطنة مع فترة وجود الحصن، مما يعني أن المنظومة الدفاعية والمنظومة الزراعية المائية كانت تعملان جنبًا إلى جنب كجزء من نظام حياة متكامل ومخطط له بدقة.

ومن أبرز عناصر هذا النظام المائي ما يُعرف بـ”أم الفلج”، وهي البئر الرئيسية أو منبع المياه الذي يغذي القناة بأكملها. يبلغ عمق أم الفلج التي تزود قناة سلوت بالمياه أكثر من 12 مترًا، وتقع شمال شرق الحصن، وهو عمق يكشف عن جهد هندسي كبير ومعرفة دقيقة بطبقات الأرض ومصادر المياه الجوفية، إذ يتطلب حفر بئر بهذا العمق باستخدام أدوات بدائية نسبيًا قدرًا كبيرًا من الخبرة المتراكمة والتنظيم الجماعي للعمل.

اللقى الأثرية: نوافذ على الحياة اليومية والروحية

تتعدد اللقى الأثرية المكتشفة في سلوت بشكل يعكس تنوع جوانب الحياة في المدينة القديمة، من الأدوات اليومية إلى الرموز الدينية، ومن الزخارف الجمالية إلى الأدوات الحربية. فقد عُثر في الموقع، بعد عمليات التنقيب، على لقى من الخرز والدبابيس ورأس صولجان من الحجر الأبيض، وهي قطع تجمع بين الاستخدام الوظيفي اليومي (كالدبابيس) والدلالة الرمزية أو الطبقية (كرأس الصولجان الذي قد يشير إلى وجود نظام قيادي أو زعامة محلية معترف بها).

كما توفر الأختام المكتشفة في الموقع دليلًا قويًا على وجود نظام إداري متطور. وتشير بعض المصادر إلى أن الأختام المتنوعة المكتشفة في الموقع تؤكد على وجود نظام إداري وحكم مركزي ثقافي وتجاري ضمن شبكة واسعة من العلاقات الخارجية مع مراكز حضارات العالم القديم. فالأختام في الحضارات القديمة لم تكن مجرد قطع زينة، بل كانت أدوات إدارية تُستخدم لتوثيق الملكية أو المعاملات التجارية، وهو ما يعكس مستوى من التنظيم البيروقراطي والاقتصادي المتقدم نسبيًا لمجتمع سلوت.

وفيما يخص الأدوات المعدنية، فإن رؤوس السهام والخناجر البرونزية المكتشفة في الموقع تؤكد مهارة سكان سلوت في التعدين، وهي مهارة تتطابق مع موقع عُمان التاريخي كمصدر مهم للنحاس في العالم القديم، إذ عُرفت بلاد مجان (عُمان القديمة) في النصوص السومرية والأكدية بكونها مصدرًا رئيسيًا لمعدن النحاس الذي كان يُصدَّر إلى بلاد الرافدين وما حولها.

سلوت اليوم: من الكشف إلى التأهيل والتسجيل العالمي

لم تتوقف جهود الدولة العمانية عند حدود التنقيب والاكتشاف، بل تجاوزتها إلى مرحلة التأهيل والحفاظ والتهيئة لاستقبال الزوار والباحثين على نطاق واسع. وقد حظي الموقع باهتمام رسمي رفيع منذ سنوات طويلة، حيث صدر مرسوم سلطاني بنزع ملكية الممتلكات المتأثرة بمشروع تأهيل وتطوير الموقع، وتعويض أصحابها وفق قانون نزع الملكية للمنفعة العامة، في خطوة تعكس الأولوية التي توضع للحفاظ على هذا التراث الإنساني النادر.

وعلى مستوى التوثيق العلمي، تتبع الجهات المسؤولة منهجية دقيقة تجمع بين التقنية الحديثة والصبر العلمي، حيث يتم توثيق كل مراحل المسوحات والتنقيبات من خلال التصوير الجوي باستخدام طائرة التحكم عن بعد، لتوثيق تفاصيل الأبراج والمباني الملحقة بها قبل وبعد التنقيب، في محاولة لمعرفة وكشف وربط الحقائق المحيطة بالموقع كله دون تجزئته أو التعجل في استنتاجات سابقة لأوانها. هذا الحرص على التوثيق الشامل وعدم التسرع في الاستنتاجات يعكس نضجًا علميًا في التعامل مع موقع لا تزال طبقاته التاريخية المتعددة قيد الدراسة والتحليل المستمر.

ومن أبرز محطات التطوير الحديثة افتتاح مرافق استقبال متكاملة للزوار، حيث بدأت جهود تأهيل الموقع بإنشاء مركز للزوار في فبراير من عام 2023، شمل تأهيل مسارات الزوار وتبليطها وصولًا إلى الشواهد الأثرية مثل حصن سلوت ومدافن العصرين البرونزي والحديدي وبرج الألف الثالث. ويضم هذا المركز اليوم ثلاث قاعات رئيسية تعرض مقتنيات أثرية متنوعة تشمل أدوات وأواني حجرية وفخارية ومصنوعات برونزية، تُظهر للزوار الارتباطات التجارية للموقع مع مناطق بعيدة، وتتيح لهم التعرف على مراحل تطور الحياة في سلوت وكيفية تكيف المجتمعات القديمة مع البيئة المحيطة.

وتستمر أعمال الترميم والتأهيل بخطى متواصلة، حيث تشمل الجهود الحالية تأهيل مسارات الزوار، وترميم بعض الحوائط والغرف في المدينة المحاذية لحصن سلوت، إلى جانب مشروع لتصميم وإنتاج محتويات فنية رقمية بهدف تسهيل وصول المعلومة للزوار باستخدام التقنيات الحديثة لعرض المكتشفات الأثرية التي لم تُعرض سابقًا.

والأهم من كل ذلك، هو المسار الذي يضع سلوت في مصاف المواقع التراثية العالمية، حيث أُدرج موقع سلوت، كجزء من المشهد الثقافي في بسياء وسلوت، ضمن القائمة الإرشادية المؤقتة لمنظمة اليونسكو، تعزيزًا لقيمته التاريخية والثقافية. وهذا الإدراج، إذا اكتمل بتسجيل الموقع رسميًا في قائمة التراث العالمي، سيمنح سلوت اعترافًا دوليًا بكونه أحد المواقع المفتاحية لفهم تطور الحضارة الإنسانية في شبه الجزيرة العربية، إلى جانب مواقع أم النار وحفيت في الإمارات، ومواقع أخرى من حضارة مجان في عُمان.

خلاصة: سلوت كمرآة لتاريخ الإنسان والمعتقد في عُمان القديمة

يمثل موقع سلوت الأثري نموذجًا فريدًا يجمع بين عبقرية الهندسة الدفاعية القديمة وعمق المعتقدات الدينية التي شكّلت وعي الإنسان في تلك الحقبة الغابرة. فالأبراج والحصون الدائرية التي تنتشر في الموقع لم تكن مجرد استجابة وظيفية لحاجة الدفاع، بل كانت تعبيرًا هندسيًا متقدمًا عن فهم عميق لطبيعة الحجر والتوازن والمساحة. وفي الوقت نفسه، فإن انتشار رموز الثعابين، والمدافن الدائرية على قمم الجبال، والأختام ذات الدلالات الكونية، يكشف عن نظام معتقدات روحي متكامل سبق الأديان الفلكية المنظمة، نظام كان يربط الإنسان بقوى الكون من خلال طقوس وممارسات يقودها كهان أو سحرة يحملون معرفة خاصة بالتواصل مع تلك القوى.

من العصر الحجري إلى العصر البرونزي، فالحديدي، وحتى عصور النباهنة واليعاربة، ظل سلوت حاضرًا كموقع استراتيجي ومركز حضاري لا ينقطع نبضه، حتى وإن غابت ملامحه تحت الرمال لقرون طويلة. واليوم، مع استمرار أعمال التنقيب والترميم، ومع المسار الجاري نحو تسجيله في قائمة التراث العالمي لليونسكو، يستعيد سلوت مكانته كأحد أهم الشواهد على عمق الحضارة العمانية وأصالتها، وكنافذة لا تقدر بثمن لفهم كيف عاش الإنسان القديم، وكيف بنى، وكيف اعتقد، في هذه الزاوية الغنية من شبه الجزيرة العربية.

فريق الموسوعة العمانية

فريق الموسوعة العمانية

محرر الموسوعة العُمانية