حصون المزيونة والنجد: القلاع الحدودية الصامتة وتاريخها العسكري في سلطنة عُمان
حيث تلتقي الصخور بالتاريخ
في أقصى الجنوب الغربي من سلطنة عُمان، حيث تنتهي جبال ظفار وتبدأ الصحاري الشاسعة الممتدة نحو اليمن، تقف حصون وتحصينات صامتة لا يعرفها كثيرون، لكنها كانت ولا تزال خطَّ الدفاع الأول عن أرض السلطنة ووحدتها. إنها الحصون والمواقع العسكرية في منطقتَي المزيونة والنجد، تلك البقعتين اللتين تمثلان أكثر نقاط الحدود العُمانية حساسيةً وأبعدها عن الأضواء.
لم تكن هذه المواقع مجرد مبانٍ من حجر وطين، بل كانت رسائل مكتوبة في لغة المكان والجغرافيا، تقول لكل من يقترب: هذه أرض عُمان، وهذا حدودها، وهنا رجالها يقفون. ولفهم أهمية هذه الحصون لا بدَّ من استيعاب الجغرافيا أولاً، ثم التاريخ، ثم الدور العسكري الذي أدّته هذه المنشآت على مدى قرون متعاقبة.
أولاً: جغرافيا الحدود الجنوبية الغربية لعُمان
تقع ولاية المزيونة في الطرف الجنوبي الغربي من محافظة ظفار، وقد أُسِّست رسمياً بموجب المرسوم السلطاني رقم 13/2006 الصادر في مارس من العام ذاته، وهو ما يكشف أن هذه المنطقة ظلت لفترة طويلة تابعة إدارياً لولايات أخرى قبل أن تحصل على استقلاليتها الإدارية. غير أن هذا الاستقلال الإداري المتأخر لا ينفي الأهمية التاريخية والعسكرية الموغلة في القِدَم لهذه المنطقة.
أما النجد، فهو ذلك الهضبة الداخلية الممتدة خلف جبال ظفار باتجاه الشمال والغرب، وهي منطقة شبه صحراوية وعرة المسالك تشكّل عمقاً استراتيجياً لا يقل أهمية عن المناطق الساحلية. يبلغ طول الشريط الحدودي بين محافظة المهرة اليمنية ومحافظة ظفار العُمانية ما يقارب 288 كيلومتراً، يبدأ من ساحل مديرية حوف على البحر العربي وينتهي في عمق الصحراء عند المثلث الحدودي بين عُمان واليمن والمملكة العربية السعودية.
هذا الموقع الجغرافي الدقيق هو ما أعطى المزيونة والنجد أهميتهما الاستثنائية. فهما يقعان على تقاطع مصالح إقليمية متشعبة، وعلى ممرات قبلية وتجارية قديمة تربط جنوب الجزيرة العربية بعضه ببعض. والجدير بالذكر أن قبائل المهرة التي تسكن على جانبَي الحدود تشترك في أصول عرقية ولغوية واحدة، إذ تتحدث لهجة المهرية التي تختلف عن العربية الفصحى وعن اللهجات العربية المجاورة، وهو ما يجعل الحدود الجغرافية الرسمية مجرد خط مرسوم فوق خارطة، بينما الواقع الاجتماعي يتجاوزها بحرية.
ثانياً: التحصينات القديمة في الجنوب العُماني — نشأة وأسباب
لم تقتصر عبقرية الإنسان العُماني في البناء الدفاعي على المناطق الساحلية والداخلية المعروفة، بل امتدت إلى أعماق الجنوب ومناطقه النائية. فقد أدرك العُمانيون القدماء أن الجغرافيا وحدها لا تكفي للدفاع؛ لا بد من منشآت بشرية تعزز ما توفره الطبيعة من عوائق.
وتكشف الدراسات التاريخية أن الحصون والتحصينات في المنطقة الجنوبية من عُمان، وبخاصة في ظفار والمناطق المتاخمة لليمن، نشأت في سياقات متعددة:
السياق القبلي: كانت الحصون في بادئ الأمر تحصينات قبلية تبنيها القبائل لحماية أراضيها ومراعيها وآبارها من غارات القبائل المجاورة. وفي منطقة كالمزيونة والنجد، حيث تتشابك مصالح القبائل وتتداخل ديارها، كانت هذه التحصينات ضرورة وجودية قبل أن تكون رفاهية معمارية.
السياق الإقليمي: مع توسع نفوذ سلاطين مسقط في الاتجاه الجنوبي، وخاصة بعد أن أكّدت عُمان سيطرتها على المنطقة الجنوبية الغربية من ظفار في عام 1829 الميلادي، باتت الحاجة ملحّة لإنشاء منشآت تمثّل الحضور الرسمي للدولة وتعلن سيادتها على هذه الأطراف البعيدة.
السياق الاستعماري: شكّل الوجود البريطاني في المنطقة عاملاً مؤثراً في رسم التحصينات وتحديد مواقعها، إذ كانت بريطانيا حريصة على ترسيم حدود واضحة لحماية ممتلكاتها وحلفائها من أي امتداد يمني محتمل.
ثالثاً: موقع سوق المزيونة وحصونه — التجارة والدفاع في آنٍ واحد
المزيونة ليست مجرد موقع عسكري؛ إنها تاريخياً ملتقى تجاري وإنساني يعكس طبيعة المنطقة المتمايزة. فقد اشتُهرت بسوقها الذي يُعدّ من أهم الأسواق الحدودية في جنوب عُمان، ولا سيما أن قبائل المهرة على الجانب اليمني اعتمدت على الأسواق العُمانية بشكل رئيسي للحصول على الوقود والمواد الغذائية والاحتياجات الأساسية. وقد استمر هذا الاعتماد حتى في خضم الاضطرابات التي عصفت باليمن منذ عام 2011، مما حافظ على استقلالية اقتصادية نسبية لمحافظة المهرة عن باقي المحافظات اليمنية.
وهذا البعد التجاري للمزيونة هو ما جعلها في الوقت ذاته موضع اهتمام عسكري وأمني، فالسوق الحدودي في أي بقعة من العالم هو بطبيعته نقطة تبادل للمعلومات والأفراد والبضائع، ومن ثَمَّ فهو نقطة ضعف محتملة إذا لم تُحكَم السيطرة عليه. وقد أدركت السلطات العُمانية هذه الحقيقة، فأحاطت المزيونة بمنشآت أمنية وعسكرية تجعل منها منطقة خاضعة لرقابة دقيقة دون أن تُغلق بوجه التبادل الإنساني والاقتصادي.
وتكشف الروايات التاريخية المتاحة أن المنطقة شهدت إنشاء نقاط تفتيش ومراكز مراقبة تعود إلى فترات مختلفة، من بينها ما بناه الوجود البريطاني قبيل استقلال اليمن الجنوبي عام 1967، ومن بينها ما شيّدته القوات المسلحة السلطانية لاحقاً خلال مراحل التحديث العسكري المتعاقبة.
رابعاً: النجد — هضبة الصمت والمراقبة
إذا كانت المزيونة هي الواجهة التجارية للحدود الجنوبية الغربية، فإن النجد هو عمقها الاستراتيجي. وهضبة النجد في ظفار تختلف تماماً عن نجود شبه الجزيرة العربية الأخرى؛ إنها منطقة تتقاطع فيها تضاريس متنوعة بين جبال وأودية وسهول تصلح معسكراً وممراً وموقع مراقبة في آنٍ واحد.
ولعل أبرز ما يميز النجد من الناحية العسكرية أنها كانت إحدى المناطق التي شكّلت ساحة الصراع الفعلي خلال ثورة ظفار التي امتدت من عام 1965 إلى عام 1975. وقد استغلّ المتمردون الموالون للجبهة الشعبية لتحرير ظفار طبيعة هذه المناطق الوعرة ملاذاً ومعبراً لتلقي الإمدادات من اليمن الجنوبي الشيوعي، مما جعل إحكام السيطرة على النجد والمزيونة هاجساً عسكرياً أولياً لدى القيادة العُمانية.
وتجدر الإشارة إلى أن عدداً من الجنود العُمانيين القدامى الذين خدموا في هذه المناطق يروون ذكريات الخدمة العسكرية في صرفيت والمزيونة وحبروت وهرويب؛ تلك المناطق الحدودية التي كانت تمثّل محيطاً بشرياً متشعب القبائل والولاءات، ما جعل مهمة الجندي فيها مزيجاً من الحراسة والدبلوماسية القبلية والتعايش مع بيئة قاسية.
خامساً: حصون ظفار في السياق الأشمل — من طاقة إلى الحدود
لفهم المنظومة الدفاعية الجنوبية لعُمان كاملةً، لا يمكن عزل حصون المزيونة والنجد عن محيطها الأوسع في محافظة ظفار. فقد مثّلت مدن ظفار الساحلية القلب النابض لمنظومة دفاعية متكاملة يمتد ذيلها جنوباً وغرباً نحو الحدود اليمنية.
حصن طاقة هو واحد من أبرز هذه المنشآت في المنطقة، إذ يقع في ولاية طاقة على الساحل الجنوبي، ويعود تاريخه إلى القرن التاسع عشر الميلادي. لم يكن هذا الحصن مجرد منشأة دفاعية، بل كان مركزاً إدارياً واجتماعياً يضم غرفاً لتخزين الأسلحة والمؤن وأخرى لإقامة الحاكم المحلي وعائلته، إلى جانب قاعة للاستقبال وعقد مجالس الشورى والصلح. وقد بُني بالحجر الجيري والطين وفق الأنماط المعمارية العُمانية التقليدية، بأبراجه الدائرية والمربعة التي كانت تُستخدم للرصد والحماية.
ويُجسّد هذا الحصن نموذجاً يتكرر في المنطقة بأسرها، وهو نموذج الحصن الذي يجمع بين الوظيفة الدفاعية والوظيفة الإدارية والوظيفة الاجتماعية. فالحصن في ظفار لم يكن معزولاً عن مجتمعه، بل كان مركزه وقلبه، المكان الذي تُتخذ فيه القرارات وتُحلّ فيه النزاعات وتُحفظ فيه الأرواح في أوقات الخطر.
سادساً: ثورة ظفار وأثرها في تحديث المنظومة الدفاعية
لا يمكن الحديث عن التاريخ العسكري لمنطقة المزيونة والنجد بمعزل عن ثورة ظفار، تلك الصفحة الدموية المعقدة التي تُعدّ من أطول النزاعات المسلحة في تاريخ شبه الجزيرة العربية خلال القرن العشرين.
انطلقت الثورة عام 1965 تحت قيادة “الجبهة الشعبية لتحرير ظفار”، ثم تحوّلت أيديولوجياً في عام 1968 إلى تبني الماركسية اللينينية لتصبح “الجبهة الشعبية لتحرير الخليج العربي المحتل”، ساعيةً إلى ثورة شاملة تتجاوز حدود ظفار لتشمل شبه الجزيرة العربية كلها. وقد تلقّت هذه الجبهة دعماً عسكرياً ولوجستياً من اليمن الجنوبي الشيوعي (جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية)، إذ فتحت عدن مؤسساتها التدريبية والإعلامية للمتمردين الظفاريين.
كان خط الإمداد بين اليمن الجنوبي والمتمردين في ظفار يمر حتماً عبر المناطق الحدودية التي تشمل المزيونة والنجد، مما جعل هذين الموقعين في قلب الصراع. وحين تولّى السلطان قابوس بن سعيد الحكم عام 1970، كان أحد أولى أولوياته العسكرية قطع خط الإمداد هذا بشن عمليات مدروسة للسيطرة على غرب ظفار والشريط الحدودي. وقد خصّص نصف الميزانية الحكومية لتسليح الجيش وتحديثه، وأقام “الخط السرطاني” وهو خط دفاعي محصّن امتد من ساحل المحيط الهندي إلى الداخل، قطع خطوط إمداد المتمردين وعزلهم عن قواعدهم في اليمن.
وقد أسهم في هذا الجهد العسكري قوات بريطانية شنّت حملة “القلوب والعقول” المزدوجة التي جمعت بين المواجهة العسكرية والإغراء الاجتماعي، فضلاً عن 3000 عسكري إيراني وصلوا إلى عُمان في نوفمبر 1973 بناءً على طلب السلطان قابوس وبدعم من شاه إيران. وانتهت الحرب رسمياً في ديسمبر 1975 بهزيمة المتمردين، لكنها تركت بصمات راسخة على البنية الدفاعية للمنطقة الجنوبية الغربية.
فقد شيّدت القوات المسلحة السلطانية خلال سنوات الحرب وبعدها مواقع دفاعية متعددة في النجد والمزيونة، منها ما جاء بشكل نقاط مراقبة متقدمة تقوم بدور الرصد والإنذار المبكر، ومنها ما تطور إلى قواعد عسكرية دائمة تضم مراكز قيادة ومستودعات تسليح وأطواقاً من الدفاعات الثابتة.
سابعاً: اتفاقية الحدود عام 1992 وأثرها على المواقع العسكرية
في أول أكتوبر من عام 1992، وقّعت سلطنة عُمان واليمن اتفاقية حدودية أنهت عقوداً من الغموض حول الشريط الفاصل بين البلدين. وجاءت هذه الاتفاقية في أعقاب انهيار الحكومة الشيوعية في اليمن الجنوبي وقيام الوحدة اليمنية عام 1990، لتضع حداً للنزاعات الإقليمية التي كانت تُغذّي التوترات عبر الحدود.
وقد أعادت هذه الاتفاقية رسم الدور الوظيفي للمواقع العسكرية في المزيونة والنجد، إذ انتقلت هذه المواقع تدريجياً من دور المواجهة إلى دور المراقبة والضبط الأمني. فبعد أن كانت الحصون والتحصينات وجهاً لوجه مع تهديد مسلح منظّم تدعمه دولة ذات أيديولوجية معادية، باتت بعد عام 1992 تواجه تحديات من طبيعة مختلفة: تهريب البضائع والأسلحة، وتنقل الأفراد غير المرخّص، وإدارة العلاقات مع القبائل العابرة للحدود.
وقد سعت عُمان إلى تعميق علاقاتها مع مجتمع المهرة في هذه المرحلة، فمنحت كثيراً من شخصياته الجنسية العُمانية، وسهّلت حركة المواطنين على جانبَي الحدود، مدركةً أن الأمن الدائم في هذه المنطقة لا يبنيه الحديد والإسمنت وحده، بل يتطلب أيضاً بناء الثقة وتنمية الروابط الإنسانية.
ثامناً: العمارة العسكرية في المزيونة والنجد — خصائص ومميزات
تختلف التحصينات العسكرية في منطقة المزيونة والنجد عن القلاع الكلاسيكية المعروفة في الشمال العُماني كقلعة نزوى أو قلعة بهلاء أو قلعتَي الجلالي والميراني في مسقط. ففي حين تتميز تلك القلاع بضخامتها المعمارية وأبراجها الشاهقة وزخرفتها الفنية، فإن تحصينات الجنوب الغربي تتسم بالبساطة الوظيفية والانسجام مع البيئة المحيطة.
تتجلى خصائص هذه التحصينات في عدة سمات:
الاندماج مع الطبيعة: أُقيمت معظم هذه المواقع على ارتفاعات تشرف على المسارات والممرات الرئيسية، مستفيدةً من الإطلالة الاستراتيجية التي تتيحها تضاريس الجبال والهضاب الظفارية.
البساطة في المواد: استُخدم الحجر المحلي في بناء الجدران بكثافة، مع استخدام الطين وبعض المواد الطبيعية الأخرى للتسقيف والتغطية، وهو أسلوب يتشابه مع ما ينتهجه بناة الحصون في أنحاء عُمان كافة لكنه يبلغ هنا مستوى من التقشف يعكس بُعد المنطقة وعسر الوصول إليها.
المرونة التكيّفية: لم تكن هذه المواقع ثابتة على صورة واحدة، بل تطورت بتطور التهديدات. ففي فترات السلم القبلي اكتفت بالقليل من حراس المراقبة، وفي أوقات التوتر امتلأت بالمقاتلين والمؤن.
التكامل مع نقاط الإمداد: كانت هذه التحصينات مرتبطة بشبكة من مواضع الماء والمراعي التي تتيح للحامية الاحتفاظ بنفسها لفترات طويلة في حال الحصار.
تاسعاً: الدور المعاصر — بين التراث والأمن الوطني
في السياق المعاصر، تتحوّل المنطقة الحدودية في المزيونة والنجد إلى مشهد مختلف. فقد اتخذت السلطات العُمانية قرارات استراتيجية لتطوير البنية التحتية في المنطقة الحرة المجاورة للحدود، شملت إنشاء مساكن على نفقة الحكومة لاستقطاب المجتمعات القبلية من الصحراء المجاورة، وبناء قاعدة عسكرية ومركز للشرطة إلى جانب مصرف وفندق ومستشفى ومدرسة.
هذا النهج يكشف عن رؤية عُمانية ناضجة للأمن الحدودي؛ رؤية تدمج بين البُعد العسكري والبُعد التنموي، مدركةً أن الحصون وحدها لا تصنع استقراراً دائماً إذا لم يقترن الأمن بالازدهار. فالمجتمع المتجذّر في أرضه، والمستفيد من خدمات الدولة وعطائها، هو خير حصن طبيعي في وجه كل من يسعى إلى زعزعة استقرار المنطقة.
وفي المقابل، تصاعد الوجود العسكري الرسمي بشكل ملحوظ خلال السنوات الماضية، مع إنشاء نقاط تفتيش متعددة على الطرق المؤدية إلى المناطق الحدودية. ولم يكن ذلك بمعزل عن المتغيرات الإقليمية التي فرضتها الحرب في اليمن منذ عام 2015، إذ وجدت عُمان نفسها في موقع دقيق تسعى فيه إلى الحفاظ على علاقتها بمحافظة المهرة اليمنية وعلى دورها كوسيط إقليمي، في ظل تنافس سعودي-إماراتي-عُماني غير مباشر على النفوذ في تلك المنطقة.
عاشراً: الذاكرة الشعبية والأسطورة المحلية لهذه الحصون
كما هو الحال في كل أنحاء عُمان، حيث تُعدّ الحصون والقلاع “شواهد حضارية” تُمثّل كياناً سياسياً وتاريخياً رفيعاً، فإن حصون المزيونة والنجد تحتفظ بمكانة خاصة في ذاكرة أبناء المنطقة. هي ليست مجرد أطلال أو مزارات سياحية، بل هي جزء حي من الهوية الجمعية لأهل ظفار وبخاصة قبائل المهرة الممتدة على جانبَي الحدود.
تحكي هذه الحصون قصصاً عن غارات قبلية صُدَّت، وعن مفاوضات جرت على أعتابها، وعن قوافل تجارية استراحت في ظلالها. وفي الوعي الشعبي لأهل المنطقة، يرتبط كل حصن باسم أو قبيلة أو حادثة لا يزال يتناقلها الرواة ويُحييها الشعراء في قصائدهم الشفهية.
وقد أدركت وزارة التراث العُمانية أهمية هذا البعد الثقافي الجمعي، فانتهجت سياسة التوثيق والترميم والتحويل السياحي للكثير من المواقع التاريخية العسكرية. وإن كانت حصون الجنوب الغربي لم تحظَ بالاهتمام ذاته الذي نالته قلاع الشمال الأكثر شهرة، فإن الاهتمام بها آخذ في التصاعد مع تنامي الوعي بأهمية التراث الشامل لكل ربوع السلطنة.
حادي عشر: التنافس الدولي وظهور دور جديد للمواقع الحدودية
في القرن الحادي والعشرين، اكتسبت مواقع المزيونة والنجد أبعاداً جديدة لم تكن في حسبان بناتها الأوائل. فمع اندلاع الحرب في اليمن عام 2015، وجدت هذه المناطق نفسها في مفترق طرق جيوسياسي حرج. إذ تشير التقارير إلى أن المنافسة بين القوى الإقليمية قد امتدت لتشمل النفوذ في محافظة المهرة المتاخمة لعُمان، في حين اتُّهمت عُمان من قِبَل بعض الأطراف بالتساهل في الرقابة على ما يعبر حدودها.
في هذا السياق المعقد، استمرت عُمان في التمسك بنهجها الثابت: الحياد الإيجابي والسعي إلى الدور الوساطي، مع تعزيز قدراتها الأمنية على الأرض دون الانزلاق إلى الاصطفاف الإقليمي. وقد انعكس ذلك على الطابع الوظيفي للمنشآت العسكرية في المزيونة والنجد، التي باتت تؤدي دور الضابط الأمني والرادع المحايد في آنٍ واحد.
خاتمة: الصمت الذي يتكلم
في نهاية المطاف، ما هي هذه الحصون الصامتة في المزيونة والنجد إلا شهوداً حجرية على حقيقة قديمة يعرفها أهل هذه الأرض جيداً: أن الحدود ليست خطوطاً رسمتها أقلام الدبلوماسيين، بل هي معادلة إنسانية دقيقة بين القوة والثقة والتاريخ المشترك.
لقد وقفت هذه التحصينات في وجه الثورات الشيوعية حين كانت النيران تشتعل في جبال ظفار، وصمدت أمام غموض الحدود حين كانت الخرائط لا تزال مثار جدل، واستمرت في أداء دورها حين تحوّل التهديد من الجيوش النظامية إلى شبكات التهريب وعدم الاستقرار الإقليمي.
تحكي هذه الحصون قصة سلطنة عُمان كلها في مصغّر: أمة آثرت الحكمة على الاندفاع، والتفاوض على الصدام، وبناء العلاقات على رسم الجدران. ولعل أعمق ما تعلّمته عُمان من تاريخها العسكري الطويل أن أقوى الحصون ليست تلك المبنية بالحجر والإسمنت، بل تلك المبنية بالثقة والانتماء والعدل. وما الحصون الحجرية في المزيونة والنجد إلا تعبير عن إرادة الصمود، يصاحبه في كل حين بناء أعمق وأمتن: بناء الإنسان وتنمية المجتمع وصون الهوية.
المقالة مكتوبة للأغراض التعليمية والثقافية، وتستند إلى المصادر التاريخية والجغرافية المتاحة حول تاريخ عُمان والمنطقة الجنوبية الغربية من محافظة ظفار.