شخصيات

ابن دريد في الذاكرة العُمانية: الاسم، المكان، والزمان

ابن دريد في الذاكرة العُمانية: الاسم، المكان، والزمان

مقدمة: عبقرية اللغة وإشراقة الذاكرة

يمثل الإمام أبو بكر محمد بن الحسن بن دريد الأزدي واحداً من أركان الحضارة العربية والإسلامية، وعماداً من أعمدة اللسان العربي الذين قعّدوا للمعجمية، ورسموا بعبقريتهم الفذة مسارات الأدب والنقد والنثر وشعرية الروح الفطرية. وفي ثنايا قراءة الوعي التاريخي والأدبي، يبرز ابن دريد ليس مجرد لغوي عابر أو نسابة مصنّف، بل كظاهرة علمية متكاملة ارتبطت بالتحولات السياسية والفكرية والقبلية التي شهدتها الساحة الممتدة من عمان شرقي الجزيرة العربية إلى حواضر العراق وفارس.

تحاول هذه الدراسة الشاملة، والمستندة إلى قراءة استقصائية دقيقة للمصادر التاريخية والأنساب العُمانية، استجلاء أبعاد غابت أو تداخلت في ترجمة هذا العلَم الفذ. وسنتناول بالتحليل والتحقيق أبعاد ثلاثة تمثل الهيكل الوجودي والفكري لابن دريد: الاسم والنسب بما يزيل اللبس والتحريف؛ المكان بملامحه العُمانية الأصيلة وصراعاته الإقليمية؛ والزمان بظلاله التاريخية الممتدة بين الولادة، والنشأة، والهجرة، والموت.

أولاً: الاسم والانتماء القبلي

1. بطاقة التعريف واللبنات الأولى

في مستهل التحقيق التاريخي، تبرز الهوية الاسمية والشخصية لأبي بكر بن دريد كعنوان على عراقة ممتدة. وتتلخص بطاقته التعريفية في الآتي:

  • الكنية: أبو بكر.
  • الاسم الكامل: محمد بن الحسن بن دريد.
  • الشهرة التاريخية الأدبية: ابن دريد.

إن الجذور الإسلامية لهذه العائلة ممتدة إلى الرعيل الأول؛ إذ تذكر المصادر أن أول من أسلم من أجداده هو “حمامي”. ولم يكن إسلامه عابراً، بل كان ضمن الوفد العُماني المهيب الذي صحب الصحابي الجليل عمرو بن العاص -مبعوث النبي صلى الله عليه وسلم إلى أهل عُمان- أثناء عودته إلى المدينة المنورة عقب وفاة الرسول الكريم. وكان هذا الوفد يتكون من سبعين شخصاً من وجوه وأعيان أهل عُمان، وفي مقدمتهم عبد بن الجلندى، أحد ملكي عُمان اللذين وجه إليهما النبي خطاباً يدعوهما فيه إلى الإسلام. هذه النسبة تمنح ابن دريد عمقاً تاريخياً متصلاً بفجر الدعوة في عُمان.

2. الانتماء القبلي: من جذور الأزد إلى فراهيد بن مالك

ينتمي ابن دريد قبلياً وجينياً إلى فراهيد بن مالك بن فهم الأزدي. ومالك بن فهم هو القائد العربي التاريخي الشهير الذي انتقل بقومه إلى عُمان إثر الانهيار الكامل لسد مأرب باليمن، حيث تمكن بحنكته وقوته العسكرية من إخراج الفرس من عُمان وتأسيس حكم عربي بها. والجدير بالذكر أن جميع أولاد مالك بن فهم صاروا آباء لقبائل كبرى في عُمان تفرعت وتكاثرت مع مرور الأزمان.

ومن بين تلك القبائل المتفرعة تبرز قبيلة بنو فراهيد بن مالك بن فهم، ويقال للواحد منهم في النسبة والتسمية الفردية: فراهيدي، وفرهودي.

وقد دار نقاش علمي واسع بين علماء اللغة والأنساب حول دلالة هذا الاسم واشتقاقه:

  • في كتاب الاشتقاق لابن دريد نفسه، جاء تعليقاً على اسم “فرهود”: «وقال في كتاب الجمهرة فرهود بن الحارث الذي من ولده الخليل بن أحمد، وهو الفراهيدي، والفرهود: ولد الأب في لغة أزد عُمان، قال ومن قال الفراهيدي فإنما يريد الجمع». والحارث المذكور هو الحارث بن مالك بن فهم.
  • وعلى نقيض ذلك، نجد أن ابن دريد في موضع آخر من كتاب الاشتقاق ينسب الفراهيد إلى شبانة بن مالك بن فهم، حيث يقول: «ومنهم بنو فرهود بن شبانة الذي يقال لهم الفراهيد، والفرهود: الغليظ من قولهم تفرهد الغلام إذا سمن».
  • أما الإمام النسابة العوتبي فقد حسم الأمر في اعتماده للمصادر العُمانية في الأنساب والتاريخ، مؤكداً أنه فراهيد بن مالك بن فهم، وهو القول الذي اتفقت عليه الرواية العُمانية المستقرة.

3. تفنيد التصحيف والتحريف (بنو جديد وبني حديد)

ينسب ابن دريد بدقة وتفصيل إلى بنو جديد (بالجيم المعجمة)، حيث قال في سياق حديثه الأنسابي: «ومنهم -أي الفراهيد- بنو حاضر وبنو جديد بطنان عظيمان». وكلمة “جديد” هنا هي تصغير “جد” بالنعوت اللغوية.

ويؤكد العوتبي هذا النسب في سوق عمود النسب الكامل للإمام؛ إذ يقول: «ومنهم -أي الفراهيد- بنو جديد بن جشم». ويمضي ليحدد نسب ابن دريد قائلاً: «ومن بني جديد، أبو بكر محمد بن الحسن بن دريد بن عتاهية بن حنتم بن الحسن بن حمامي بن جرو بن واسع بن وهب بن سلمه بن حاضر بن جشم بن ظالم بن فراهيد بن مالك بن فهم».

وهنا يضع المحقق العُماني تنبيهاً علمياً في غاية الأهمية لمنع التصحيف الذي وقع في بعض المصادر التاريخية؛ حيث وقع خلط شديد بين بني جديد (بالجيم المعجمة) وبني حديد (بالحاء المهملة). فقد نسبت بعض المصادر ابن دريد تصحيفاً إلى “بني حديد” (بالحاء)، مع أنه هو نفسه لم يذكر أن بني حديد من الفراهيد.

وبنو حديد (بالحاء المهملة) هم قبيلة عُمانية معروفة ومستقلة، يقطنون تاريخياً وفي الحاضر في منطقة السيب بمحافظة مسقط، ولهم وجود في بلدان بني هناءة بالمنطقة الداخلية وغيرها من البلدان، والظاهر أنهم أيضاً من قبائل بني مالك بن فهم، إلا أنهم يفترقون في عمود النسب المباشر عن بطن “بني جديد” الذي خرج منه ابن دريد.

ثانياً: المكان وعُمانية الانتماء والاستقرار

1. إشكالية الولادة والنشأة وعقدة البصرة

تؤكد غالبية المصادر التاريخية والأدبية أن ابن دريد ولد في البصرة ونشأ بعُمان، وتوفي في نهاية حياته ببغداد. ولكن يثور هنا تساؤل منهجي عميق: كيف يكون لغوياً عُمانياً خالصاً من يولد في البصرة ويتوفى في بغداد، وهما حاضرتان عراقيتان؟

إن التحقق من عُمانية ابن دريد جغرافياً وفكرياً يتضح من خلال عدة أمور جوهرية:

  • أولاً: إن آباءه وأجداده وسلالته عُمانيون بلا أدنى شك، وجده “حمامي” هو من أعيان وفد عُمان إلى المدينة المنورة.
  • ثانياً: أكدت المصادر أن نشأته الكاملة كانت بعُمان، والنشأة هي المرحلة المبكرة الحاسمة من عمر الإنسان، فلا يقال لمن جاوز الحلم وفترة الصبا والشباب إلا ناشئ وصنيعة المكان الذي تربى فيه.

أما مسألة ولادته بالبصرة ونشأته بعُمان، فالظاهر أن وقت الولادة كان قصيراً وعابراً. ولعل عائلته كانت قد ذهبت إلى البصرة في بعض المواسم التجارية أو الزيارات المؤقتة. فقد كان لأهل عُمان -ولا سيما أهل صحار والمناطق الشمالية- صلات وثيقة بالبصرة، وثبت أن الكثير منهم كانت لهم أملاك من المزارع والنخيل في البصرة، بل كان أهل صحار يقضون فصل الصيف بانتظام في البصرة نظراً للعلاقات التجارية العريقة بين المينائين.

2. الأدلة الشاهدة من نصوص التلامذة والمؤرخين

يروي أبو علي القالي، وهو التلميذ المقرب والمباشر لابن دريد، رواية واضحة تفيد بارتباط أستاذه بعُمان كوطن أساسي؛ إذ يقول عنه: «خرجنا من عُمان نريد سفراً لنا، فنزلنا في أصل نخلة فنظرت فإذا فاختتان تزقوان في فرعها فقلت:

أقولُ لِوَرْقاوَينِ في فَرْعِ نَخْلَةٍ … وَقَدْ طَفَلَ الأمْساءُ أوْ جَنَحَ العَصْرُ$$

وَقَدْ بَسَطَتْ هاتا لِتِلْكَ جَناحَها … وَمالَ عَلى هاتِيكَ مِنْ هَذِهِ النَّحْرُ$$

لِيَهْنِكُما أنْ لَمْ تُراعا بِفُرْقَةٍ … وَما دَبَّ في تَشْتِيتِ شَمْلِكُما الدَّهْرُ$$

فَلَمْ أرَ مِثْلِي قَطَّعَ الشَّوْقُ قَلْبَهُ … عَلى أنَّهُ يَحْكِي قَساوَتَهُ الصَّخْرُ$$

ويستنتج الدكتور أحمد درويش من قول ابن دريد «خرجنا من عُمان نريد سفراً لنا» أنها عبارة مقيم ومستوطن لا عبارة مسافر عابر. وهي تعني أن مستقره الدائم كان في عُمان، وأن الخروج منها كان حدثاً عارضاً بداعي السفر يتبعه عودة إليها. وهناك رواية أخرى في معجم الأدباء تقول: «وخرجنا نريد عُمان في سفر لنا»، غير أن رواية القالي هي الأصح إسناداً ومباشرة.

وتعزز الروايات التاريخية رسوخ مقامه في صحار؛ حيث ذكر الشيخ محمد بن راشد الخصيبي قصة لقائه واستقباله للأمير عبد الله بن محمد بن ميكال وابنه أبي العباس إسماعيل بن عبد الله في صحار. وقد أكرمهما ابن دريد هناك مدة أربعة أشهر، وكان يطعمهم أفخر أنواع الطعام، مما يدل بوضوح على أن مقامه في صحار كان مستقراً طويلاً، وأنه كان على جانب كبير من الغنى، واليسار، والثروة والمكانة الاجتماعية.

ورغم وجود روايات ضعيفة تزعم أن أصله من “قدفع” برأس الخيمة، أو رواية أخرى تزعم أنه سكن “دما” (وهي السيب حالياً)، إلا أن هاتين الروايتين لا يسندهما دليل علمي أو تاريخي قوي. والظاهر الثابت أن أجداده هم الذين استوطنوا صحار. والحكاية التالية تعزز قوة هذا الدليل: «إن دريد بن عتاهية وصحار، وبكر بن طلحة، ارتفعا إلى الإمام عبد الملك بن حميد، وكان دريد ادعى على بكر مالاً وتفالس عليه بكر، قال الإمام لبكر بن طلحة أخذت ماله وذهبت به، ثم قال الإمام يحبس ويشدد عليه في ذلك، ثم أقبل على دريد وقال ما أصنع لك به، أقطع لحمه». هذا التقاضي أمام إمام عُمان يثبت يقينياً أن جد ابن دريد كان مستقراً وموطنه الأصلي صحار.

3. أثر الاضطرابات السياسية (هجوم الزنج والفتنة القبلية)

عندما حدث هجوم الزنج الكارثي على البصرة وتدميرها في عام 257 هـ، لم يجد ابن دريد ملجأً أو وجهةً يأمن فيها على نفسه وعلمه غير عُمان؛ حيث عاد إليها وبقي فيها مدة اثني عشر عاماً كاملة، مما يؤكد بوضوح أنها كانت وطنه ومأمنه الملاذ.

وفي عُمان، عاش ابن دريد وتفاعل مع الأحداث السياسية والاجتماعية الكبرى. ويروي بنفسه معاصرته للأحداث في عهد الإمام الصلت بن مالك الشاري، حيث يقول: «كنتُ بعُمان مع الصلت بن مالك الشاري، وكانت الشراة تدعوه أمير المؤمنين، وكانت السنة كثيرة الأمطار ودامت على الناس فكادت المنازل أن تنهدم، فاجتمع الناس وصاروا إلى الصلت وسألوه أن يدعو لهم، فعجّل بهم أن يركب من الغد إلى الصحراء ويدعو، فقال لي بكرة لتخرج معي، فلما أصبحت خرجت معه فصلى بهم وخطب ودعا، فقال: اللهم إنك أنعمت فأوفيت، وسقيت فأرويت، فعلى القيعان ومنابت الشجر، وحيث النفع لا الضرر، فاستحسنتُ ذلك منه». وتذكر الروايات أن هذا الحدث كان في مدينة نزوى التاريخية حيث كان يقيم الإمام الصلت (237 – 272 هـ)، وهذا يدل على أن ابن دريد كان يتنقل زائراً ومكرماً بين الحواضر والأماكن العُمانية المختلفة.

ولكن، شهدت هذه الفترة وقوع أحداث سياسية أليمة في عُمان، وتحديداً عهد الإمامين راشد بن النظر وعزان بن تميم (272 – 280 هـ). وهنا ظهرت النزعة القبلية العصبية لدى ابن دريد بشكل حاد؛ حيث أخذ يرثي من قُتل من قومه الأزد، ويحرضهم على الأخذ بالثأر من النزارية. وقد أورد له العوتبي قصيدتين في الرثاء والتحريض:

  • القصيدة الأولى ومطلعها:
    إنّما فازَتْ قِداحُ المَنايا … يَوْمَ حازَتْ خَضْلَها في تَنُوفا
    ويقول فيها باكياً وممجداً:
    واحِدٌ أفْضَلُ مِنْ ألْفِ ألْفٍ … فَخْذُ الواحِدِ واسِفَ الألُوفا
    إنّما انْهَضَّتْ هِضابُ المَعالي … واكْتَسَتْ أقْمارُهُنَّ الكُسُوفا
    يَوْمَ سَقَّى الدَّهْرُ أرْواحَ قَوْمي … تَحْتَ ظِلِّ الخافِقاتِ الحُتُوفا
    فَقْدُهُمْ هَدَّ مِنَ المَجْدِ رُكْناً … كانَ عُمْرُ اللهِ صَعْباً مَنِيفا$$

القصيدة الثانية يحرض فيها قومه بمرارة، ومطلعها:
نَبَأٌ نابَهُ وَخَطْبٌ جَلِيلُ … بَلْ رَزايا لَهُنَّ عِبْءٌ ثَقِيلُ
ويقول في ثناياها المتأججة:
يا بَني مالِكِ بْنِ فَهْمٍ قَتِيلاً … لا يُبارِيهِ في الأنامِ قَتِيلُ
كُنْتُمُ الهامَةَ الَّتي لَوْ أزالَتْ … أوْجُهَ الدَّهْرِ لَمْ تَقُلْ لا أزُولُ
كُنْتُمْ أهْلَ سَطْوَةٍ لَوْ تَصَدَّتْ … مالَ وَجْهُ الحِمامِ حَيْثُ تَمِيلُ
أقَلِيلٌ عَدِيدُكُمْ فَتَقُولُوا … إنّنا في الوَغى نَفِيرٌ قَلِيلُ
أمْ ضِعافٌ عَنْ ثارِكُمْ فَتَلُذُوا … مَشْرَبَ الذُّلِّ وَالضَّعِيفُ ذَلِيلُ

وقد أورد له الشيخ سيف بن حمود البطاشي قصائد أخرى في نفس هذا الموضوع، نقلها من دراسة وتحقيق الأستاذ عمر سالم التونسي على ديوان ابن دريد.

ومن المؤسف تاريخياً أن دعوة ابن دريد هذه ذات النزعة القبلية وجَدت طريقها متسارعة إلى قلوب العُمانيين، فتحول الصراع السياسي والديني إلى حرب قبلية طاحنة تفرّق إزاءها أهل عُمان إلى كتلتين متناحرتين: يمنية ونزارية. وكانت النتيجة المدمرة لهذه الفتنة سقوط دولة الإمامة الثانية العُمانية. وتلك الدولة التي بذل علماء الدين الكثير من الجهود والتضحية في قيامها، ذهبت بذهاب أولئك العلماء موتاً وتشتتاً، فخفتت سيطرة العلماء الفقهية على الوضع وحلّت محلها النعرة القبلية التي أثارها ابن دريد وأمثاله. فكانت النتيجة الحتمية سقوط البلاد في الفتن، وانقسامها قبلياً إلى يمنية ونزارية، وسيطرة عباسية سرعان ما تحولت إلى سيطرة وتدخل من الكيانات الشعوبية والأعجمية التي كانت تحكم باسم الدولة العباسية.

ولم تتعافَ عُمان من هذا الوضع المزري والمعافاة التامة إلا بقيام الدولة اليعربية، وبعدها الدولة البوسعيدية، حتى الوسط الديني العُماني لم يستطع التماسك التام إزاء ذلك؛ فقد انقسم لاحقاً إلى فرق ثلاث هي: النزوانية، والمنحية، والرستاقية (أو الازكوية). غير أن الشيء الجميل والمثمر تاريخياً أن تلك الفروق والتحولات تحولت فيما بعد إلى مدارس فكرية أغنت الفكر السياسي عند الإباضية نتيجة المناقشات الفكرية الساخنة، فأصبحت تزخر بها مؤلفات تلك الفترات، الأمر الذي جعل المذهب الإباضي يتميز بامتلاك ثراء فكري سياسي واسع ربما لا يوجد بذلك الحجم عند المذاهب الأخرى.

وبالعودة إلى حركة ابن دريد، يظهر من خلال ما تقدم أن أكثر أيام حياته وعطائه الفطري كانت في عُمان، وكان يتردد عليها جيئة وذهاباً، والظاهر أن مقره الرئيس كان في صحار التي كانت تتمتع برخاء العيش ونضارة الحياة وثراء الحال الاقتصادي، وهو ما يؤكد عُمانيته العميقة. ويقول السيد مصطفى السنوسي في كتابه دراسات في التراث العربي: «وعلى كل حال فابن دريد من أزد عُمان، حتى أن كثيراً من المراجع تدعوه بالعُماني». وقال عنه المؤرخ المسعودي -وهو تلميذه ومن عاصره تزامناً وتوفيا في فترات متقاربة-: «ابن دريد العُماني».

ثالثاً: الزمان والتحولات التاريخية والوفاة

1. تحقيق تاريخ المولد والنشأة والمعاصرة

يختلف المؤرخون وأصحاب السير حول تاريخ مولد ابن دريد بدقة؛ فيورد العوتبي تاريخ مولده أنه سنة خمس وعشرين ومائتين للهجرة (225 هـ)، بينما تؤكد بقية المصادر المشرقية أن مولده كان في سنة ثلاث وعشرين ومائتين (223 هـ).

إلا أن المحققين يرجحون رواية العوتبي العُماني؛ لأن فيها إسناداً وتفصيلاً دقيقاً يبعد عن التخمين؛ حيث يقول العوتبي: «قال العتكي: دخلت على ابن دريد قبل موته فسمعته يقول: وُلدتُ ليلة الجمعة في أحد الربيعين سنة خمس وعشرين ومائتين». وبما أن الروايات الأخرى لا تذكر مثل هذا التفصيل الزمني واليومي الدقيق والربط بالليالي، فإن منهج المحدثين والمحققين يقتضي أن الرواية إذا كان بها تفصيل تكون أصح وأولى بالقبول من تلك التي تخلو من ذلك.

وعليه، عاصر ابن دريد من الناحية الزمنية والسياسية تحولات كبرى:

  • كانت ولادته في عهد خلافة المعتصم العباسي.
  • شاهد في شبابه وكهولته أحداث الزنج الرهيبة وهجومهم الكاسح على البصرة وقتلهم أستاذه الرياشي، وذلك في سنة 257 هـ في خلاقة المعتمد.
  • كما شاهد الأحداث العُمانية الداخلية الدامية التي سبق ذكرها على عهد الإمامين راشد بن النظر وعزان بن تميم.

2. العصر الذهبي في فارس والمقصورة الشهيرة

لعل أجمل وأزهى فترات عمر ابن دريد العلمية والمادية هي تلك التي قضاها في نيسابور وجرجان بخراسان وفارس بجوار الأميرين عبد الله بن محمد بن ميكال وابنه أبي العباس إسماعيل بن عبد الله. وهناك حظي برعاية سياسية ومالية فائقة، وأنشأ من أجلهما أرجوزته وروائع قصائده الفذة وفي مقدمتها “مقصورة ابن دريد” الشهيرة التي طارت شهرتها في الآفاق، ونالت اعتناءً بالغاً من العلماء، والأدباء، والشعراء بها شروحاً ومعارضات لا حصر لها. حتى قال صاحب كشف الظنون: «وقد عارضه جماعة من الشعراء فما شقوا غباره ولا بلغوا مضماره».

ومطلع هذه المقصورة الباذخة:

أمَا تَرَى رَأْسِي حَاكَى لَوْنُهُ … طُرَّةَ صُبْحٍ تَحْتَ أَذْيَالِ الدُّجَى

وَاشْتَعَلَ المَبْيَضُّ فِي مُسْوَدِّهِ … مِثْلَ اشْتِعَالِ النَّارِ فِي جَمْرِ الغَضَى

فَكَانَ كَاللَّيْلِ البَهِيمِ حَلَّ فِي … أَرْجَائِهِ ضَوْءُ صَبَاحٍ فَانْجَلَى

وقال مادحاً آل ميكال ومعبراً عن امتنانه لإنقاذهما له من ضيق الحال والفقر بعد خروجه من عُمان:

إنّ ابْنَ مِيكالَ الأميرَ انْتاشَني … مِنْ بَعْدِ ما قَدْ كُنْتُ كَالشَّيْءِ اللُّقى

وَمَدَّ ضَيْعي أبو العَبّاسِ مِنْ … بَعْدِ انْقِباضِ الذَّرْعِ والباعِ الوَزى

نَفْسِي الفِداءُ لأمِيري وَمَنْ … تَحْتَ السَّماءِ لأمِيري الفِدا

لا زالَ فِكْري لَهُما مُواصِلاً … لَفْظِي أوْ يَعْتاقَني صَرْفُ المُنَى

3. ختام العمر ووفاته في بغداد

والظاهر أن ابن دريد في آخر حياته استقر تماماً ببغداد ولم يخرج منها، كونه قد كبر في السن ووهن العظم منه. كما أنه لم يفكر في العودة إلى عُمان لسبب موضوعي وهو أن وطنه عُمان كان في ذلك الوقت رازحاً تحت سيطرة القرامطة، ثم آل وجيه، حتى قام العُمانيون بنصب الإمام سعيد بن عبد الله سنة 320 هـ، غير أن الإمام المذكور لم تشمل سلطته جميع أنحاء عُمان فظلت الاضطرابات قائمة.

وكانت وفاة ابن دريد ببغداد، عاصمة الخلافة العباسية، في خلافة القاهر سنة 321 هـ. ومرة أخرى يعود الاختلاف التوثيقي حول تاريخ وفاته، غير أن الفارق هذه المرة بسيط وضئيل:

  • يحدد العوتبي ليلة وفاته بقوله: «وتوفي لاثنتي عشرة ليلة خلت من شعبان سنة إحدى وعشرين وثلاثمائة». وعلى هذا أكثر الروايات تدقيقاً.
  • بينما تحدد الرواية الأخرى عند ياقوت الحموي أن وفاته كانت يوم الأربعاء لاثنتي عشرة عشرة بقيت من رمضان سنة إحدى وعشرين وثلاثمائة.

ونرى أن رواية العوتبي هي الأصح والأكثر تفصيلاً تاريخياً؛ لأنها ربطت وفاة ابن دريد بحادثة علمية مشهودة، حيث تزامنت وفاته بدقة مع وفاة العلامة أبي هاشم الجبائي المعتزلي الشهير. حتى قيل في حواضر بغداد الفكرية يومها بأسى: «مات اليوم علما اللغة والكلام». ودفنا معاً في نفس اليوم والمكان في مقبرة الخيزران الشهيرة ببغداد، وهذا التزامن يمنح رواية شعبان قدراً أكبراً من الصحة التاريخية والواقعية عن اختها.

رابعاً: ابن دريد في المصادر العُمانية (المرآة الفكرية والنقدية)

1. ملامح الثناء والتبجيل الفقهي والأدبي

لم تكن المصادر العُمانية عبر العصور غائبة عن الإشادة بابن دريد وعلمه وأدبه ولغويته. ولعله لم يحصل على قدر من الثناء والإشادة في المصادر الأخرى كمثل ما حصل عليه في المصادر العُمانية التاريخية والأدبية، ومن تلك المصادر على سبيل المثال لا الحصر:

أ. الإمام النسابة العوتبي

قال عنه العوتبي في كتابه الشهير الأنساب: «ومن بني جديد أبو بكر محمد بن الحسن بن دريد بن عتاهية… الشاعر النسابة، صاحب كتاب الجمهرة، وله مصنفات وكتب عدة، وهو الخطيب المذكور، والشاعر المشهور، والخطيب الذي تقف عند كلامه البلغاء، وتعجز عن أدبه الأدباء وتستعير منه الفصحاء وتستعين بكلامه الخطباء، وهو خطيب في شعره، ومصقع في خطبه، وقدوة في أدبه، وحكيم في نثره لا زيادة عليه في فنون العلم والآداب». وقد وصفه بنفس هذه الأوصاف الفخمة في كتابه الآخر الإبانة، مع تغير طفيف في بعض الكلمات، وإنما زاد عليها قوله: «ومجيد في شعره».

والجدير بالذكر علمياً أن أبا المنذر سلمة بن مسلم العوتبي يعتبر التلميذ غير المباشر لابن دريد فهو قد تأثر به بعمق. ويبدو هذا التأثر بوضوح وجلاء في كتابيه الأنساب والإبانة في اللغة العربية؛ فهو يعتمد بشكل أساسي على كتاب الاشتقاق في الأنساب وعلى كتاب الجمهرة في اللغة. بل إن هذين الكتابين يعتبران من أهم مؤلفات ابن دريد، بل إن كتاب الجمهرة يعتبر آيته الكبرى وعمله المعجمي الخالد. وهكذا نجد هذا الثناء وهذه الإشادة الصادقة من العوتبي الصادرة من أريحية صافية وإعجاب بليغ لا نجد لهما مثيلاً كاملاً في المصادر المشرقية الأخرى.

ب. الإمام نور الدين السالمي

اعتمد العلامة نور الدين السالمي في وصف ابن دريد على ما قاله العوتبي في كتاب الإبانة، حيث قال: «ومنهم -أي أهل عُمان- أبو بكر أحمد بن محمد بن الحسن بن دريد الأزدي». ولعله هنا قد وقع منه سهو يسير في الإسم؛ حيث إنه لم يذكر أحد من المؤرخين أن اسمه “أحمد”، بل اسمه “محمد” كما هو مستقر ومحقق.

ج. الشيخ سالم بن حمود السيابي

قال الشيخ النسابة سالم بن حمود السيابي في حق ابن دريد مكبراً علمه: «ومنهم -أي أهل عُمان- الإمام الثاني في الأدب بجميع معانيه أبو بكر بن دريد المعروف عند الخاص والعام، أحد الأعلام الكمل، وأجل الرجال الفطاحل المعروفين في العالم الإسلامي، وهو من الأزد من قدفع حالياً من أعمال رأس الخيمة، ولو لم يكن له إلا كتاب الجمهرة لكفى، وله عدة مؤلفات في فنون عديدة، وهو صاحب المقصورة المشهورة وكتاب الملاحن».

العلَم العُماني المادحالمصدر العُمانيالخلاصة النقدية والتوثيقية
العوتبيالأنساب والإبانةمصقع، خطيب في شعره، حكيم في نثره، وعماد لكتاب الجمهرة والاشتقاق.
نور الدين السالميشروح وتواريخأكد عُمانيته، ووقع في سهو مادي بتسميته “أحمد” بدلاً من “محمد”.
سالم بن حمود السيابيعُمان عبر التاريخالإمام الثاني في الأدب بجميع معانيه، وأجل فطاحل العالم الإسلامي.
سيف بن حمود البطاشيإتحاف الأعيانإمام اللغة والأدب، وفنّد حسد المعاصرين ومحاولات النيل منه.
محمد بن راشد الخصيبيسموط الجمانالخطيب الأريب، حوى علوم وصفات المصقع البليغ.

2. الطعون الموجهة لابن دريد وموقف النقاد العُمانيين منها

سماه الشيخ سيف بن حمود البطاشي “إمام اللغة والأدب”. ويرى بحس نقدي ثاقب أن الذم والطعن الموجه إليه من بعض معاصريه ومترجميه إنما كان ناتجاً عن دافع الحقد والحسد والغيرة العلمية. فهو يقول: «وكما أثنى عليه جماعة من العلماء فقد طعن عليه آخرون ورموه بالوضع وتوليد الألفاظ والتساهل في الرواية، وأيضاً بشرب الخمر، بل ولم يسلم من اللمز في أشياء أخرى، لأجل تصدّره في التدريس واجتماع التلاميذ وطلاب العلم في مجالسه التي تغص بهم حتى استغل ذلك بعض الحاقدين عليه للنيل منه». وأنشدوا فيه حسداً ونكاية:

مَنْ يَكُنْ لِلظِّباءِ صاحِبَ صَيْدٍ … فَعَلَيْهِ بِمَجْلِسِ ابْنِ دُرَيْدِ

إنَّ فِيهِ لأوْجُهاً قِيدَ تَنّي … عَنْ طُلابِ العُلا بِأوْثَقِ قَيْدِ

وهذا البيتان، بالإضافة إلى الحكايات الطاعنة الأخرى، يرى النقاد العُمانيون أنها تأتي من منطلق واحد ومرمى واحد، يصوب منه سهام الطعن إلى قمة علمية عالية وفذة كالعلامة ابن دريد. ومن القصص التي توضح تهافت هذه الطعون قصة “الغلام الجميل الذي كان يكثر اللحن ولا يرد عليه ابن دريد”؛ إذ هي قصة مخترعة لتشويه صرامته اللغوية وحاشيته التدريسية.

وفي المقابل، اندبرى شعراء عُمان للدفاع عنه؛ حيث قال فيه الشيخ محمد بن راشد الخصيبي في قصيدته البديعة سموط الجمان في أسماء شعراء عُمان:

والخَطِيبُ الأرِيبُ نَجْلُ دُرَيْدٍ … مِنْ بَني الأزْدِ مَعْدِنِ الطّائِلاتِ

وَهْوَ يُدْعى مُحَمَّداً وَأبُوهُ الـ … ـحَسَنُ اجْتازَ أرْفَعَ الرَّتَباتِ

قَدْ كَفى شُهْرَةً بِما قَدْ حَواهُ … مِنْ عُلُومٍ جَلِيلَةٍ وَصِفاتِ

وَهْوَ المِصْقَعُ البَلِيغُ تَحَلّى … شِعْرُهُ بِالمَحاسِنِ الرّائِعاتِ

وَبِتِلْكَ المَقْصُورةِ الفَرْدَةِ أعْجَبْ … فَهِيَ لا شَكَّ أعْجَبُ المُبْدَعاتِ

وأورد الخصيبي في شرحه لهذه الأبيات في كتابه شقائق النعمان على سموط الجمان قصة لقائه واستقباله للاميرين ابني ميكال في صحار بالتفصيل.

وهكذا نجد المصادر العُمانية، سواء كانت لأصحابها من علماء الدين أو رجال الأدب، تجمع على الثناء والافتخار بوجود أديب لغوي وشاعر من عُمان كابن دريد، في حين يغض أصحاب تلك المصادر الطرف عما نسب إليه في المجال العلمي أو السلوكي الخُلُقي، بل إنهم لا يعيرون تلك الطعون أي اهتمام يُذكر. ولا يُستبعد تاريخياً ونفسياً أن يكون للعاطفة الإقليمية والوطنية دور في ذلك الدفاع الشديد، ولعلهم بحق يعتبرون تلك الطعون مواقف شخصية ناتجة عن الحقد والحسد السائد بين الأقران، على ما ناله ابن دريد من مكانة رفيعة في قلوب الحكام وبلاطات الملوك وسائر طلاب العلم.

ويقرر المحقق العُماني المعاصر رؤية متوازنة في ذلك قائلاً: «وإني لأحترم ابن دريد لغوياً وأديباً وشاعراً كبيراً، ولكنني لا يمكنني أن أنفي عنه تلك الطعون، سواء ما كان منها في المجال العلمي ضبطاً وتدويناً، أو في المجال الأخلاقي سلوكاً شائعاً، ولكن مع عدم المبالغة في ذلك، إذ كما يقال آفة الأخبار رواتها، فقد يكون الخبر في أصله صحيحاً، ثم تزداد عليه المبالغات، والعلم عند الله، فهو يعلم السر وأخفى، ويعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور».

خامساً: الميمية الموسومة في مدح الرسول ﷺ (كشف المخطوط والسبق الشعري)

تعتبر “القصيدة الميمية” الموسومة في مدح أشرف البشر الرسول محمد صلى الله عليه وسلم واحداً من أهم الاكتشافات التوثيقية والجمالية في ديوان ابن دريد. وإن صحت نسبة هذه القصيدة المبتكرة إليه يقينياً، فإنها تعيد ترتيب تاريخ الأدب النبوي؛ إذ يعتبر ابن دريد بناءً عليها أول من مدح النبي صلى الله عليه وسلم بعد وفاته بقصيدة كاملة، وله السبق المطلق في هذا الفن الأدبي الرفيع.

1. الوصف العروضي والنسق الإيقاعي لـ “ميمية ابن دريد”

تتكون هذه الميمية الفريدة من مائة وأربعة وثلاثين بيتاً. وقد نُظمت على بحر البسيط، وهو البحر العروضي الشهير وتفعيلاته:

{مستفعلن فاعلن مستفعلن فاعلن}

والجدير بالذكر والملاحظة التاريخية، أن هذا البحر العروضي نفسه والروي الميمي هما اللذان وزن عليهما البوصيري بردته المشهورة المقبولة التي طبقت شهرتها الآفاق والتي نهج نهجها وجرى عليها الكثير ممن جاء بعده من شعراء المديح النبوي عبر العصور. مما يعني أن ابن دريد كان الممهد الأول لهذا القالب الإيقاعي في المديح النبوي الممتد.

والقصيدة المذكورة لا تزال مكنونة ومحفوظة في المخطوطات والظواهر التاريخية، وهي غير معروفة على نطاق واسع لدى دارسي شعره وجامعيه في الحواضر العربية.

2. البناء الفني ومطالع القصيدة وختامها

تبدأ القصيدة بحسن ابتداء بديع يظهر براعة الاستهلال المعهودة في الشعر العربي الفصيح، ومطلع ميمية ابن دريد هو:

حُسْنُ ابْتِداءِ مَدِيحِي حَيُّ ذِي سَلَمِ … أبْدَى بَراعَةَ الاسْتِهْلالِ فِي العِلَمِ

فَأُمَّ سَلْماً وَسَلْ عَنْ أهْلِهِ فَهُمُ … قَدْ رَكِبُوا فِي الحَشَا نَاراً لِأبْعَدِهِمِ

ويمضي الإمام في سكب العاطفة اللغوية الرصينة، والمديح الروحي الممتد مستعرضاً السيرة العطرة والشمائل المحمدية بألفاظه القوية المتينة التي استقاها من منبعه البدوي العُماني الأصيل وجزيل لغته المحققة في الجمهرة، حتى يصل إلى ختامها البديع، حيث يخاطب النبي الكريم صلى الله عليه وسلم بلهجة ملؤها الرجاء واليقين التام قائلًا:

وَعَدْتَنِي فِي مَنامِي مَا تَقَرُّ بِهِ … عَيْنِي بِحُسْنِ بَيانٍ غَيْرِ مُنْعَجِمِ

فَقُلْتُهُ مُدْمَجاً فَوفْنِهِ فَمَا … رُؤْيَايَ إيَّاكَ أضْغَاثاً مِنَ الحُلُمِ
فَمَطْلَبِي أنْتَ أدْرَى مِنْ بَراعَتِهِ … بِهِ فَحالِي مِنْهُ غَيْرُ مُنْكَتِمِ
فَإنْ ظَفِرْتُ بِهِ فَالوَعْدُ مُوجِبُهُ … أوَّلاً فَإنَّ رَجائِي حَسَنُ مُخْتَتَمِ

خاتمة: الأثر الخالد للإمام الأزدي العُماني

إن تتبع مسيرة الإمام أبي بكر بن دريد الأزدي عبر مرآة الاسم، المكان، والزمان، يكشف بوضوح عن عبقرية فذة صاغتها الجغرافيا العُمانية بروحها العربية الفطرية الصلبة، وصقلتها حواضر العراق وفارس بالعلوم والمعارف. ورغم ما أثارته مواقفه السياسية والقبلية من تحولات عاصفة في تاريخ عُمان الداخلي وسقوط دولة الإمامة الثانية، إلا أن الأثر العلمي واللغوي الذي تركه في معجمه الخالد جمهرة اللغة وكتابه الاشتقاق، يظل عمدة لا غنى عنها لكل دارس للسان العربي الشريف.

لقد أنصف التوثيق العُماني ابن دريد، فغسل عنه أدران حسد الأقران وطعون المعاصرين، وتبوأ الإمام مكانه اللائق في الذاكرة الحضارية كجبل أشم من جبال اللغة والأدب، وكصوت شعري مبكر صاغ ببحوره وإيقاعاته أولى معالم المدائح النبوية الخالدة في تاريخ الأدب العربي.

فريق الموسوعة العمانية

فريق الموسوعة العمانية

محرر الموسوعة العُمانية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *