
السيرة والمسيرة للمغفور له السيد فهد بن محمود آل سعيد
السيد فهد بن محمود بن محمد بن تركي آل سعيد (5 أكتوبر 1940 – 12 مارس 2026) هو أحد أبرز القادة السياسيين ورجال الدولة في سلطنة عمان، وشخصية محورية واكبت وعاصرت بناء الدولة العمانية الحديثة منذ انطلاقة نهضتها المباركة في عام 1970. شغل —رحمه الله— منصب نائب رئيس مجلس الوزراء لشؤون مجلس الوزراء لفترة امتدت لأكثر من ستة وأربعين عاماً (من 22 مايو 1979 حتى وفاته في مارس 2026)، مُشكّلاً ركيزة أساسية استندت عليها القيادة العمانية في عهد السلطان الراحل قابوس بن سعيد —طيب الله ثراه—، وواصل أداء دوره الوطني رفيع المستوى في عهد السلطان هيثم بن طارق —حفظه الله ورعاه—، حتى لقى ربه بعد مسيرة حافلة بالعطاء والوفاء لوطنه وسلطانه.
وفي هذه المقالة الوافية، نسلط الضوء على السيرة الذاتية لفقيد الوطن، ومسيرته التعليمية والمهنية، وأبرز محطات حياته وأسرته، والجوائز التي نالها تقديراً لجهوده.
1. النسب والنشأة والتعليم
النَّسَب العريق
ينتمي السيد فهد بن محمود إلى الأسرة المادية المالكة في سلطنة عمان (آل سعيد). فهو يلتقي في نسبه مباشرة مع السلاطين العظام الذين حكموا عمان؛ فجده الأعلى هو السلطان تركي بن سعيد، مما جعله سليل عائلة سياسية عريقة قادت عمان عبر محطات تاريخية بالغة الأهمية.
المولد والتعليم
ولد السيد فهد بن محمود في 5 أكتوبر 1940. ونشأ في بيئة تُقدر العلم والمسؤولية الوطنية. في مرحلة الشباب، جمع في تحصيله العلمي بين الفضاءين العربي والدولي؛ حيث حصل على شهادة في التجارة من جامعة القاهرة، كما صقل خلفيته الأكاديمية بالدراسة في فرنسا، حيث نال بكالوريوس في القانون من جامعة باريس (السوربون) ودبلاً في العلوم السياسية من المعهد الدولي للدراسات السياسية في باريس. هذه الخلفية العلمية المتنوعة، والتي جمعت بين المال والقانون والسياسة، جعلت منه شخصية استثنائية مؤهلة لقيادة ملفات حكومية معقدة فور انخراطه في العمل الرسمي.
2. العودة إلى الوطن وتدرج المسيرة المهنية (1971)
عندما تولى السلطان قابوس بن سعيد مقاليد الحكم في 23 يوليو 1970، دعا الكفاءات العمانية للمساهمة في بناء عمان الحديثة. استجاب السيد فهد بن محمود للنداء، وبدأ مسيرته في الهيكل الإداري والسياسي الناشئ للسلطنة محققاً تدرجاً سريعاً يعكس كفاءته وحنكته:
- مدير لوزارة الخارجية (1971): بدأ مسيرته الدبلوماسية مديراً لوزارة الخارجية في بواكير عهد التأسيس.
- وزير دولة (نوفمبر 1971): عُيّن وزيراً للدولة نظراً لبروزه السياسي السريع.
- وزير الإعلام والثقافة (ديسمبر 1972): تولى مسؤولية هذا القطاع الحيوي في مرحلة كان الإعلام والثقافة يمثلان الجسر الأساسي لربط المواطن برؤية القيادة الجديدة، وساهم في وضع اللبنات الأولى للإعلام العماني الرسمي.
- نائب رئيس مجلس الوزراء لشؤون مجلس الوزراء (22 مايو 1979 – 12 مارس 2026): أُسندت إليه المهمة الأكبر والأطول في مسيرته، ليكون المسؤول التنفيذي الأول عن إدارة اجتماعات المجلس، وتنسيق السياسات بين الوزارات المختلفة، ومتابعة تنفيذ الخطط التنموية الخمسية حتى وفاته.
المتحدث الرسمي باسم مجلس الأسرة المالكة
تجلت مكانته الرفيعة وثقة الأسرة المالكة به حينما تولى دور المتحدث الرسمي باسم مجلس الأسرة المالكة، لا سيما في الجلسة الاستثنائية التاريخية التي عُقدت بعد وفاة السلطان قابوس بن سعيد بن تيمور في يناير 2020، وهي الجلسة التي تم فيها فتح وصية السلطان الراحل وقراءة تسمية السلطان هيثم بن طارق خلفاً له، حيث أدار السيد فهد ذلك الانتقال السلس والمقدس للحكم بحكمة ووقار أمام العمانيين والعالم.
3. دور سموه في إدارة مجلس الوزراء والسياسة الداخلية
يُعتبر مجلس الوزراء في سلطنة عمان الهيئة التنفيذية العليا الموكل إليها تنفيذ السياسات العامة للدولة. وعلى مدى أكثر من أربعة عقود، أدار السيد فهد بن محمود هذا المجلس باقتدار عالٍ وهدوء وثبات.
تميز أسلوبه بالتركيز على العمل المؤسسي والتكامل بين القطاعات. وتحت إشرافه المباشر، نجح مجلس الوزراء في تحويل توجيهات السلاطين إلى خطط عمل وبرامج تنفيذية ملموسة، وإدارة الأزمات الاقتصادية عبر وضع سياسات ترشيد الإنفاق وتحفيز الاقتصاد التنويعي، ومتابعة مشروعات البنية التحتية العملاقة من شبكات طرق، وموانئ، ومطارات، ومستشفيات، وجامعات.
4. الحياة الأسرية والشخصية
كان السيد فهد بن محمود آل سعيد متزوجاً من سيدة فرنسية، وقد عاش حياة أسرية مستقرة ركائزها دعم العلم والتميز. أنجب —رحمه الله— من الأبناء ابناً وثلاث بنات، واصلوا مسيرة العطاء والخدمة العامة في مجالات مختلفة بالسلطنة، وهم:
- كامل بن فهد آل سعيد
- منى بنت فهد آل سعيد
- نادية بنت فهد آل سعيد
- لبنى بنت فهد آل سعيد
تميز المغفور له بشخصية قيادية يطبعها التواضع الجم والوقار، والفصاحة والبلاغة في الحديث باللغة العربية الفصحى، والالتزام الصارم بدولة المؤسسات والقانون والتنظيم الإداري.
5. الأوسمة والجوائز التقديرية
تقديراً لجهوده الطويلة وعطائه الممتد على المستويين المحلي والإقليمي، حظي السيد فهد بن محمود بتكريم رفيع، من أبرزه:
- سلطنة عمان: قُلّد وساماً رفيعاً حيث عُيّن عضواً من الدرجة الأولى في وسام التأسيس في 23 نوفمبر 2010، تقديراً لأربعة عقود -حينها- من الخدمة المتواصلة في بناء مؤسسات الدولة.
- مملكة البحرين: نال جائزة العمل التطوعي مقدمة من الشيخ عيسى بن علي آل خليفة في 20 سبتمبر 2016، اعترافاً بدوره الرائد ودعمه المستمر للمبادرات التنموية والإنسانية على مستوى دول مجلس التعاون الخليجي.
6. الوفاة والرحيل
بعد مسيرة وطنية حافلة امتدت لعقود من الزمن في خدمة البلاط السلطاني والوطن العماني، غيّب الموت السيد فهد بن محمود آل سعيد في صباح يوم الخميس 22 رمضان 1447هـ الموافق 12 مارس 2026م، عن عمر يناهز 85 عاماً، وذلك بعد معاناته من المرض.
وقد أصدر ديوان البلاط السلطاني بياناً رسمياً نعى فيه الفقيد ببالغ الحزن والأسى، مستحضراً مناقبه ومآثره وإسهاماته الجليلة في نهضة عُمان وصون مكتسباتها.
خلاصة
رحل السيد فهد بن محمود آل سعيد تاركاً وراءه إرثاً سياسياً وإدارياً غنياً، وتاريخاً محفوراً في ذاكرة النهضة العمانية المعاصرة. لقد نذر حياته، منذ مقتبل شبابه وحتى أنفاسه الأخيرة، لخدمة هذا الوطن العزيز، متنقلاً بين ملفات السياسة الخارجية المعقدة ومتاهات الإدارة الداخلية والتنموية. سيبقى اسمه رمزاً لرجال الدولة الأوفياء الذين صدقوا ما عاهدوا الله والسلطان عليه، وبصماته في بناء عمان الحديثة ستظل باقية وشاهدة للأجيال القادمة. نسأل الله العلي القدير أن يتغمده بواسع رحمته ويسكنه فسيح جناته.