شخصيات

ابو مسلم البهلاني الرواحي

ابو مسلم البهلاني الرواحي

يُعدّ الشيخ العلامة أبو مسلم البهلاني الرواحي واحدًا من أبرز عباقرة الأمة العُمانية ونبغائها الذين أنجبتهم عُمان عبر مسيرتها الحضارية القائمة على دعائم راسخة من رجال عظام وفكر قويم. وهو أحد مفاخر الأمة العربية لغة وفكرًا، حيث تمثل حياته ونتاجه العلمي زاوية ارتكاز أساسية في فهم التاريخ الثقافي والاجتماعي للعُمانيين، سواء في وطنهم الأم أو في مهجرهم بشرق إفريقيا. فالحضارة والإنتاج الإنساني لا بد لهما من أصول ترجع إليها وعليها تعتمد تأصيلاً واستناداً، وبالمثل فإن دراسة شخصية هذا العالم المحقق والشاعر المفلق تكشف عن عمق الترابط بين البيئة الجغرافية والنشاط الفكري الذي ميز سلطنة عُمان عبر العصور.

نسبه وأصله وتوضيح اللقب

هو العلامة المحقق، والأديب المدقق أبو مسلم ناصر بن سالم بن عديم بن صالح بن سالم بن محمد بن عبدالله بن محمد البهلاني الرواحي. ينحدر أبو مسلم من أسرة كريمة المحتد عريقة النسب في القضاء والعلم؛ فقد كان جده عبدالله بن محمد البهلاني أحد قضاة الدولة اليعربية على وادي محرم، كما أن أباه الشيخ سالم بن عديم البهلاني كان من رجالات العلم البارزين وتولى القضاء للإمام عزان بن قيس وللسلطان تركي بن سعيد.

حقيقة اللقب والنسب القبلي

يرتبط لقب “البهلاني” في الأذهان مباشرة بمدينة بهلا التاريخية المشهورة في عُمان، إلا أن التحقيق اللغوي والنسبي يثبت غير ذلك؛ فالنسبة إلى مدينة بهلا في الفصيح هي “بهلوي” ولا تحتاج إلى زيادة حرف النون. وبناءً على ما نقله سماحة الشيخ أحمد بن حمد الخليلي، مفتي عام السلطنة، عن أهل التحقيق والاعتناء بالنسَب، فإن أصل هذا البيت يعود إلى قبيلة طيء العربية العريقة.

كانت موطنهم الأول في منطقة اليمن من أعمال ولاية إزكي، ومنها تفرقوا في خطوط هجرات داخلية إلى أماكن عُمانية متعددة، واستقر طائفة منهم في قرية “محرم” التابعة لوادي محرم. وهناك دخلوا حلفاً وامتزاجاً في بني رواحة، القبيلة العبسية الغطفانية المشهورة. وتداخل قبائل العرب وأفخاذها وبطونها في بعضها البعض بسبب الجوار أو المصاهرة أو الحلف العسكري والسياسي هو أمر مستفيض ومعروف في التاريخ العربي.

وقد أكد الشيخ النسابة سالم بن حمود السيابي هذا المبدأ، موضحاً أن دخول قبائل يمانية في نزار أو العكس وترأسهم فيهم ليس بالأمر المنكر ولا يعيب القبائل في شيء، بل هو نظام اجتماعي تاريخي تعارف عليه العرب منذ الجاهلية، شريطة ألا يؤدي ذلك إلى إخفاء النسب الأصلي أو اختلاق نسب مستحدث لا أصل له. كما يعضد هذا التوجه ما نقله أبو العباس القلقشندي في قواعده من جواز انتساب الرجل إلى القبيلة التي دخل فيها وحلّ في ديارها بعد قبيلته الأولى.

ولادته ونشأته في وادي محرم

شهدت ولادة أبي مسلم البهلاني اختلافاً طفيفاً بين الرواة والمؤرخين، حيث انحصرت في روايتين أساسيتين:

  • الرواية الأولى: وهي الصادرة عن ابن أخيه، الكاتب والأديب سالم بن سليمان البهلاني، الذي حدد تاريخ الولادة بسنة ثلاث وسبعين ومائتين وألف للهجرة (1273 هـ).
  • الرواية الثانية: وهي المذكورة في ترجمة ابنه مهنا بن ناصر البهلاني، وتذهب إلى أنه ولد في سنة سبع وسبعين ومائتين وألف للهجرة (1277 هـ).

وتعتبر الرواية الأولى هي الأكثر ترجيحاً وقبولاً عند المحققين لأسباب موضوعية، أبرزها ملازمة ابن الأخ لعمه أبي مسلم لفترات طويلة واطلاعه الدقيق على سيرته وشعره وتتلمذه عليه. بالإضافة إلى أن القرائن الفكرية والشعرية المستوحاة من قصائده المتأخرة، والتي نظمها بعيد نصب الإمام سالم بن راشد الخروصي في حدود سنة إحدى وثلاثين وثلاثمائة وألف للهجرة، تشير صراحة إلى أنه كان قد تجاوز الستين من عمره في ذلك الوقت، مما يدعم ولادته في سنة 1273 هـ.

البيئة الجغرافية والاجتماعية في وادي محرم

ولد أبو مسلم في قرية محرم، وهي الموطن الذي استقرت فيه أسسته منذ أن انتقل إليها جده القاضي عبدالله بن محمد البهلاني قادماً من إزكي. وتبعد هذه القرية عن العاصمة مسقط بنحو مائة وخمسين كيلومتراً، وتتميز بطبيعتها العُمانية الساحرة، حيث تكتنفها الشعاب والشراج وتنساب فيها المياه الجارية الرقراقة وتحيط بها بساتين النخيل الوارفة ظلالها.

في هذه البيئة الغناء، تفتحت عينا الصبي على مظاهر الطبيعة وعاش طفولة ناعمة بريئة تركت في خياله وذاكرته صوراً ومشاعر لم تفارقه طيلة حياته، وظل يحن إليها ويعبر عنها في كتاباته ورسائله حتى بعد هجرته الطويلة.

وعندما عُين والده الشيخ سالم بن عديم قاضياً على مدينة نزوى في عهد إمام عُمان عزان بن قيس، انتقل الصبي مع والده إلى هناك، وتشير الروايات التاريخية إلى أنه ختن في حصن نزوى الشهير. وفي مرحلة الشباب والطلب، رافق أبو مسلم الشيخ أحمد بن سعيد بن خلفان الخليلي، فكانا زميلي دراسة متلازمين، يتلقيان العلوم الشرعية واللغوية على يد الشيخ محمد بن سليم الرواحي، الذي كان يعقد حلقات التدريس في مسجد قرية السيح بوادي محرم.

ولم تقتصر زمالتهما على تلقي العلم الظاهر، بل امتدت إلى الجانب الروحي؛ حيث كانا يختليان معاً في خلوات تعبدية تهدف إلى صفاء الروح، ونقاوة الضمير، وطهارة القلب، وتقوية الصلة بالله سبحانه وتعالى، وهي تجارب روحية مبكرة أثرت بعمق في تشكيل شخصية أبي مسلم الفكرية والسلوكية فيما بعد.

الهجرة إلى زنجبار والحياة الإدارية والقضائية

شهدت تلك الحقبة التاريخية حركة هجرة ونشاط واسع للعُمانيين نحو شرق إفريقيا، حيث كانت زنجبار تمثل درة الشرق العُماني وعاصمة الحكم السلطاني الزاهرة. وقد رحل الشيخ سالم بن عديم البهلاني (والد أبي مسلم) إلى زنجبار في عهد السلطان برغش بن سعيد ملتحقاً بالجهاز القضائي هناك. ولم يلبث الفتى أبو مسلم أن لحق بأبيه في سنة خمس وتسعين ومائتين وألف للهجرة (1295 هـ)، وأقام في زنجبار مدة خمس سنوات يتزود من علومها وخبراتها الإدارية.

وبعد هذه الفترة الأولى، عاد أبو مسلم إلى موطنه عُمان، واستقر في قرية محرم لمدة خمس سنين أخرى عاصر فيها التحولات المحلية، إلا أن الشوق والحنين إلى زنجبار، وما تتيحه من آفاق علمية وعملية واسعة، جذبه إليها مجدداً، فامتطى صهوة البحر مسافراً إليها في رحلته الثانية والأخيرة. في هذه العودة، ألقى عصا الترحال بشكل نهائي في الجزيرة الإفريقية، وقضى فيها بقية حياته في كنف حكامها وسلاطينها الذين عرفوا له قدره وأحاطوه بكامل الرعاية والتقدير، لا سيما السلطان حمد بن ثويني والسلطان حمود بن محمد بن سعيد، ومن جاء بعدهما من حكام آل سعيد.

تولي رئاسة القضاء والنشاط الثقافي

نظراً لمكانته العلمية الراسخة ونبوغه المشهود، تقلد أبو مسلم منصب القضاء في زنجبار، وترقى فيه حتى أُسندت إليه رئاسة القضاء الفقهي الشرعي. ووفرت له هذه المكانة الرفيعة مناخاً مثالياً من الاستقرار والتقدير الاجتماعي والسياسي، فأكب بكامل جوارحه على المطالعة والبحث، وقراءة نفائس المخطوطات والكتب في شتى فنون الفقه واللغة والأدب.

وقد غدا الكتاب جليسه الأنيس وأستاذه المفضل، فنبغ نبوغاً كبيراً في علوم الشريعة واللغة العربية وصار المرجع الأول في الفتيا والقضاء، ونال منزلة عالية لدى الحكام والرعية على حد سواء، حتى عُد لسان عصره وعالم زمانه. ولم يقتصر عطاؤه على المنبر القضائي، بل امتد ليكون مصلحاً ومفكراً؛ فأسس “جريدة النجاح”، التي كانت من أوائل الصحف العربية الصادرة في شرق إفريقيا، وجعل منها نافذة ثقافية وفكرية واسعة يطل من خلالها على قضايا الأمة الإسلامية، ويبث عبرها الوعي والمعرفة نقداً وتوجيهاً وإصلاحاً.

شيوخه وتلاميذه

كانت مسيرة أبي مسلم العلمية امتداداً طبيعياً لمنهج التلقي والمشافهة الذي ميز الحواضر العلمية العُمانية. فقد انبنى تكوينه المعرفي على ركائز صلبة من الشيوخ الأجلاء، كما غدا هو بدوره منبعاً تخرجت منه طبقة من القضاة والأدباء.

شيوخه الأجلاء

تلقى أبو مسلم مبادئ العلوم الشرعية والقرآن الكريم في بلدة محرم. ثم أخذ علوم العقيدة والفقه والنحو عن والده الشيخ القاضي سالم بن عديم البهلاني، الذي كان فقيهاً متمكناً مارس القضاء في عُمان وزنجبار ونقل إلى ابنه حصيلة تجاربه المعرفية. كما تلقى العلم في عُمان عن الشيخ محمد بن سليم الرواحي في مدرسة مسجد السيح، وهو الشيخ الذي غرس في نفسه حب علوم اللغة والبيان.

تلاميذه وخريجو مدرسته

أما في زنجبار، فقد تحول مجلس الشيخ أبي مسلم وناديه القضائي إلى مدرسة يؤمها طلاب العلم من كل حدب وصوب. ونضجت على يديه مدارك الكثير من النبهاء الذين حملوا لواء القضاء والعربية من بعده، ومن أبرزهم:

  • الشيخ سالم بن محمد الرواحي.
  • الشيخ عبدالرحمن بن محمد الرواحي.
  • الشيخ سالم بن سعيد الحبيشي.
  • الشيخ برهان بن مكلا القمري، الذي وثق في مقيداته جودة أسلوب الشيخ أبي مسلم في تبسيط القواعد النحوية وتسهيلها لطلابه عبر صياغتها في ضوابط مركزة يسهل حفظها واستيعابها.
  • الشيخ سالم بن سليمان البهلاني (ابن أخيه).
  • مهنا بن ناصر البهلاني (ابنه الذي سار على درب أبيه في العلم والفضل).

سلوكه الأخلاقي وحياته الاجتماعية وكرمه

إن دراسة شخصية أبي مسلم البهلاني تكشف عن توازن دقيق بين الفكر والسلوك؛ فلم يكن العلم عنده مجرد نصوص تحفظ أو أحكام تُقضى، بل كان فكراً نيراً يترجمه عملياً في حسن الخلق والتعامل اليومي مع مجتمعه. تميز بسلوك إنساني راقٍ جعله فرداً فاعلاً ومحبوباً في مجتمعه الزنجباري والعُماني، فكان يحرص أشد الحرص على مشاركة الناس في مناسباتهم، يعود المريض، ويشهد الجنائز، ويشارك الأصدقاء أفراحهم وأتراحهم.

كان يرى في الاجتماع البشري والالتقاء بأهل الفضل والعلم ضرورة روحية وعقلية، مقتنعاً بأن الانزواء والانطواء عن الناس لا يفيد العقل بل يعطله، بينما تسهم المجالس الأدبية والعلمية في تلقيح العقول واكتساب الحكمة واقتناص المعارف المنقولة والمعقولة. وشهدت حياته في زنجبار حضوراً فاعلاً في الأمسيات الأدبية الراقية التي كانت تُطرح فيها المسائل الفقهية واللغوية المعقدة وسط أجواء من المودة والألفة الاجتماعية.

جوده الخطيـر وإنفاقه للمال

هذا التوجه الاجتماعي المنفتح والراقي أثمر في شخصية أبي مسلم خصلة الجود والسماحة؛ فكان رجلاً كريماً منفقاً للمال لا يبالي بالفقر، متأثراً بالهدي النبوي الشريف في الإنفاق وعدم خشية الإملاق. وبالرغم من أن سلاطين زنجبار وساداتها كانوا يغدقون عليه العطايا الجسيمة والصلات الجزيلة تقديراً لمقامه العلمي ورئاسته للقضاء، إلا أنه لم يكن يدخر من ذلك شيئاً لنفسه.

كان يأخذ الأموال من وجهها الحلال ويصرفها مباشرة في وجوهها المستحقة من مساعدة الفقراء، وإعانة طلاب العلم، وسد حاجة المعوزين. وبلغ من شدة سخائه أن بعض سلاطين زنجبار ظنوا أنه قد جمع ثروات طائلة وادخر عقارات وأموالاً جزيلة في موطنه عُمان، ولكن تبين للجميع فيما بعد أنه كان ينفق كل ما يأتيه أولاً بأول. بل إن جوده المتجاوز لحدود طاقته كان يوقعه أحياناً في ضوائق مالية تضطره إلى الاستدانة والاقتراض من زملائه وأهل الخير والإحسان لسد الحقوق والواجبات الاجتماعية المترتبة عليه.

المدرسة الفكرية السلوكية التي ينتمي إليها

من الناحية الفكرية والعقدية، ينتمي الشيخ أبو مسلم البهلاني إلى المدرسة الجاعدية أو البونبهانية. وهي مدرسة فكرية سلوكية أصيلة داخل الفقه العُماني، أسس معالمها وصاغ أصولها العلامة الرئيس أبو نبهان جاعد بن خميس الخروصي. وتنهض هذه المدرسة على أربع ركائز أساسية تشكل إطارها العام:

  1. عمق التأمل والنظر في ملكوت الوجود.
  2. التعمق الفلسفي والمنطقي في دراسة علم الكلام والعقيدة.
  3. لزوم الخلوة الانفرادية للعبادة والتدبر.
  4. المواظبة على الأوراد والأذكار الليلية والنهارية.

وتصطبغ هذه المدرسة بمسحة سلوكية روحية واضحة تأثرت ببعض التوجهات الروحية، غير أنها تميزت عن التصوف الطرقي التقليدي؛ فلم تتبنَّ المدرسة الجاعدية الطقوس أو التجمعات أو الأطر التنظيمية المعروفة لدى الطرق الصوفية في العالم الإسلامي. وإنما اقتصرت على الجانب التعبدي الفردي المتمثل في الخلوة لتصفية النفس واستعمال الأوراد القائمة على المأثور. ولذلك آثر علماء الإباضية عدم استخدام مصطلح “التصوف” وأطلقوا عليه بدلاً من ذلك اسم “علم السلوك”، وسموا النتاج الفكري والشعري المرتبط به بـ “شعر السلوك”.

انتقال الفكر السلوكي وتأثر أبي مسلم به

بعد وفاة المؤسس أبي نبهان، حمل راية هذا الفكر ابنه الشيخ ناصر بن أبي نبهان الخروصي، ثم انتقلت القيادة الفكرية لهذه المدرسة إلى المحقق القطب الشيخ سعيد بن خلفان الخليلي. ورفع الشيخ الخليلي لواء المدرسة الجاعدية عالياً، مستفيداً من مكانته الفقهية الراسخة ومقدرته البيانية الفائقة ونثره البليغ، فصارت هذه المدرسة رقماً صعباً وذات شأن عظيم في الأوساط العلمية والدينية في سلطنة عُمان.

وقد تأثر أبو مسلم البهلاني بهذا المنهج تأثراً عميقاً، وجعل من الشيخ سعيد بن خلفان الخليلي قدوته ونبراسه الذي يقتفي أثره ويترسم خطاه إعجاباً بمقامه الرباني. وظهر هذا التأثر جلياً في نتاجه النثري، لا سيما في مقدمة أعماله العلمية وتخاميسه لقصائد الشيخ الخليلي مثل “سموط الثناء” و”ثمرات المعارف”. حيث أوضح أبو مسلم أنه لازم خدمة الأذكار وأحب الاغتراف من بحار الأسرار والتعبد في سدف السحر وأطراف النهار طلباً للفتح المبين والتمكين الروحي.

وقد تعمق أبو مسلم في هذا التوجه وتوغل فيه إلى حد بعيد، مسخراً موهبته الفذة وقدراته البيانية الهائلة لإبراز مكنونات هذا التوجه السلوكي نثراً وتأليفاً في رسائل جامعة لم يسبقه إليها أحد من متأخري علماء عصره.

التحول نحو المدرسة السالمية والأثر الأصولي

على الرغم من الامتداد الواسع للمدرسة السلوكية الجاعدية، إلا أن الساحة الفكرية العُمانية شهدت تحولاً وتغيراً في الملامح مع ظهور المدرسة السالمية بقيادة الإمام المحقق نور الدين عبدالله بن حميد السالمي. واستطاع الإمام السالمي، بما أوتي من نبوغ فائق وملكة علمية موسوعية وأصولية، أن يؤسس مدرسة فكرية تجديدية تقوم معالمها على العودة المباشرة إلى ظاهر النثر والكتاب والسنة النبوية، والرجوع الدقيق إلى سيرة الرسول ﷺ وصحابته الكرام والأسلاف الأوائل.

وكانت المدرسة السالمية ترى في بعض الممارسات السلوكية المتأخرة مثل الطلاسم والأوراد غير المأثورة خروجاً عن الطريقة الصحابية الخالية من هذه الكلف، ودعت إلى الاكتفاء بما ثبت في السيرة المطهرة ونصوص الشريعة الظاهرة. وأدى هذا التنافس الفكري المحمود بين رصانة المدرسة السالمية الأصولية وعمق المدرسة الجاعدية السلوكية إلى إثراء المكتبة العُمانية والإسلامية، ومثلت كتابات أبي مسلم البهلاني الجسر الواصل بين عمق الروح وحرفية النص الفقهي.

خاتمة ووفاته

أمضى الشيخ أبو مسلم البهلاني حياته في زنجبار مجاهداً بالكلمة والفصل والقضاء، يجمع شتات العلوم ويسوس الرعية بالعدل، ويمد يده بالخير للجميع. ومن المحاسن التاريخية المشهودة أن الأيام الأخيرة من عمره شهدت انكبابه الكامل على إتمام شروحاته وتخاميسه الفقهية والسلوكية لعلماء عُمان؛ فقد فرغ من تخميسه الشهير لكتاب “ثمرات المعارف” قبل وفاته بثلاثة أيام فقط، ليكون هذا العمل العلمي الروحي مسك الختام لرحلته في دار الدنيا.

وفي اليوم الثاني من شهر صفر لعام تسعة وثلاثين وثلاثمائة وألف للهجرة (1339 هـ)، انتقل الشيخ رئيس القضاة أبو مسلم البهلاني إلى جوار ربه في زنجبار، بعد حياة حافلة بالعطاء العلمي والعملي، ترك فيها للمكتبة الإسلامية إرثاً فقهياً ولغوياً وتاريخياً يجعله في طليعة رجال النهضة الفكرية العُمانية الحديثة.

فريق الموسوعة العمانية

فريق الموسوعة العمانية

محرر الموسوعة العُمانية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *