الأمن الغذائي المائي العماني: مشاريع استزراع الروبيان والأسماك في جعلان نموذجًا للاقتصاد الأزرق
عُمان وثروتها البحرية الواعدة
تمتلك سلطنة عُمان واحدة من أطول السواحل في منطقة الخليج العربي والمحيط الهندي، إذ يمتد شريطها الساحلي لأكثر من 3000 كيلومتر، مطلًا على بحار غنية بالتنوع البيولوجي مثل بحر عُمان وبحر العرب المفتوح على المحيط الهندي. هذا الامتداد الجغرافي الفريد لم يكن يومًا مجرد ميزة طبيعية، بل تحوّل في العقدين الأخيرين إلى رافعة استراتيجية حقيقية لتحقيق الأمن الغذائي الوطني، في ظل تصاعد التحديات العالمية المرتبطة بسلاسل الإمداد الغذائي، وتقلبات المناخ، والاعتماد المتزايد على الاستيراد في كثير من الدول التي تفتقر إلى موارد طبيعية مماثلة.
لم يكن الحديث عن “الاستزراع السمكي” مألوفًا في عُمان قبل سنوات قليلة، إذ كان يُنظر إلى الثروة السمكية باعتبارها مرتبطة حصرًا بالصيد التقليدي من البحار المفتوحة. غير أن السلطنة أدركت مبكرًا أن الاعتماد على الصيد البحري وحده لا يكفي لمواكبة النمو السكاني وتزايد الطلب المحلي والعالمي على البروتين البحري، فاتجهت بثقة نحو تطوير قطاع الاستزراع المائي (Aquaculture) كركيزة موازية ومكمّلة للمصايد الطبيعية. واليوم، تشكل محافظة جنوب الشرقية، وتحديدًا ولاية جعلان بني بو علي وجعلان بني بو حسن، قلب هذا التحول، حيث تتركز فيها أبرز مشاريع استزراع الروبيان والأسماك البحرية في البلاد، لتتحول المنطقة إلى نموذج وطني يُحتذى به في تحقيق الأمن الغذائي المائي.
تستعرض هذه المقالة بالتفصيل واقع الأمن الغذائي المائي في عُمان، وأبرز مشاريع الاستزراع في جعلان، وأثرها الاقتصادي والاجتماعي والبيئي، وموقعها من رؤية عُمان 2040 والاقتصاد الأزرق.
أولًا: مفهوم الأمن الغذائي المائي ولماذا يهم عُمان
يُقصد بالأمن الغذائي المائي قدرة الدولة على توفير احتياجاتها من البروتينات والمنتجات البحرية بصورة مستدامة، سواء عبر الصيد التقليدي أو الاستزراع المائي، بما يضمن استقرار الإمداد، ويقلل من التبعية للاستيراد، ويحافظ في الوقت ذاته على التوازن البيئي للموارد البحرية الطبيعية من الاستنزاف الجائر.
بالنسبة لعُمان، يكتسب هذا المفهوم أهمية مضاعفة لعدة أسباب:
أولًا، محدودية الموارد الزراعية التقليدية في بلد تغلب عليه التضاريس الصحراوية والجبلية، ما يجعل القطاع السمكي والبحري أحد أهم مصادر الأمن الغذائي الممكنة فعليًا وبكفاءة اقتصادية عالية.
ثانيًا، الضغط المتزايد على المخزون السمكي الطبيعي نتيجة الصيد المكثف على مدى عقود، وهو ما يستدعي إيجاد مصدر بديل ومتجدد للإنتاج لا يعتمد على استنزاف البحار.
ثالثًا، الفرصة الاقتصادية الكامنة في تصدير المنتجات البحرية عالية القيمة كالروبيان، حيث تتمتع عُمان وفق بيانات رسمية بأعلى نسبة مساهمة لقطاع الثروة السمكية والزراعية في الناتج المحلي الإجمالي بين دول مجلس التعاون الخليجي، وهو ما يمنحها ميزة تنافسية يجب البناء عليها واستثمارها بصورة مدروسة.
رابعًا، الانسجام مع التوجه العالمي والإقليمي نحو “الاقتصاد الأزرق” بوصفه أحد أهم مرتكزات التنمية المستدامة، إذ شاركت السلطنة، ممثلة بوزارة الثروة الزراعية والسمكية وموارد المياه، في اجتماعات إقليمية حول التحول الأزرق ومساهمته في مصايد الأسماك وتربية الأحياء المائية في مواجهة تداعيات التغير المناخي، بالتنسيق مع دول مجلس التعاون الخليجي واليمن.
انطلاقًا من هذه المعطيات، تبنّت الحكومة العُمانية استراتيجية متكاملة لتطوير قطاع الاستزراع السمكي، تُرجمت إلى سلسلة من المشاريع الكبرى الموزعة على محافظات السلطنة، وفي مقدمتها محافظة جنوب الشرقية التي باتت تُعرف اليوم بأنها “عاصمة الروبيان” في عُمان.
ثانيًا: جعلان.. البوابة الجغرافية المثالية للاستزراع المائي
تقع ولايتا جعلان بني بو علي وجعلان بني بو حسن في محافظة جنوب الشرقية، على ساحل بحر العرب المفتوح على المحيط الهندي، وتتميزان بعدة خصائص جغرافية وبيئية تجعلهما موقعًا مثاليًا لمشاريع الاستزراع المائي:
- امتداد ساحلي شاسع يتيح إقامة مزارع استزراع واسعة المساحة دون التأثير على الأنشطة السكانية أو السياحية المكثفة.
- مياه بحرية نقية ذات جودة عالية ومعدلات ملوحة وحرارة مناسبة لتربية أنواع متعددة من الروبيان والأسماك البحرية على مدار العام.
- قرب نسبي من مسارات النقل والتصدير، ما يسهل وصول المنتج الطازج أو المجمّد إلى الأسواق المحلية والدولية في فترة زمنية قصيرة، وهو عامل حاسم في صناعة المأكولات البحرية التي تتطلب سلاسل تبريد وإمداد سريعة.
- انخفاض الكثافة الصناعية والتلوث البيئي، مقارنة بمناطق ساحلية أخرى، ما يقلل من مخاطر التلوث الذي قد يهدد جودة المياه المستخدمة في الاستزراع.
لهذه الأسباب مجتمعة، اختارت الحكومة العُمانية وشركاؤها من القطاع الخاص ومؤسسات الاستثمار الوطنية -وعلى رأسها جهاز الاستثمار العُماني عبر ذراعه المتخصصة “شركة تنمية أسماك عُمان”- التركيز على جعلان بوصفها مركزًا رئيسًا لمشاريع استزراع الروبيان والأسماك الزعنفية البحرية، بدعم ومتابعة من وزارة الثروة الزراعية والسمكية وموارد المياه، ووحدة متابعة تنفيذ رؤية عُمان 2040.
ثالثًا: مشروع مزرعة “قرون” لاستزراع الروبيان.. الانطلاقة الكبرى
يُعد مشروع مزرعة “قرون” في ولاية جعلان بني بو حسن أول مشروع تجاري كبير لاستزراع الروبيان في السلطنة، ونقطة الانطلاق الفعلية لمنظومة الاستزراع السمكي التجاري في عُمان.
دُشّن المشروع رسميًا في التاسع من ديسمبر، تحت رعاية معالي الدكتور خلفان بن سعيد الشعيلي، وزير الإسكان والتخطيط العمراني آنذاك، بتكلفة استثمارية إجمالية بلغت 20 مليون ريال عُماني، على مساحة شاسعة تقدّر بنحو 500 هكتار.
المكونات الفنية للمشروع
يتميز مشروع “قرون” ببنية تحتية متكاملة وحديثة، صُممت لتغطية جميع مراحل دورة حياة الروبيان، وتشمل:
- وحدة لرعاية أمهات الروبيان وإنتاج البيوض، بسعة تصل إلى 1.2 مليار يرقة روبيان.
- وحدة لتخصيب البيوض وإنتاج اليرقات، بطاقة استيعابية تبلغ 400 مليون يرقة.
- وحدة حضانة يرقات، بسعة 250 مليون زريعة روبيان.
- 240 حوض تسمين، تبلغ مساحة الحوض الواحد منها نحو 5 آلاف متر مربع.
- مرفق متخصص للفرز والتبريد، لضمان جودة المنتج النهائي قبل التوزيع أو التصدير.
- مكاتب إدارية ومخازن متعددة الأغراض وورش صيانة، إضافة إلى مجمع سكني متكامل المرافق مخصص للعاملين في المزرعة.
هذا التكامل في البنية التحتية يجعل من مزرعة “قرون” منظومة إنتاجية مغلقة تقريبًا، تبدأ من تفريخ الروبيان وصولًا إلى التسمين والفرز والتجهيز للتسويق، وهو ما يقلل الاعتماد على استيراد اليرقات من الخارج، ويمنح المشروع استدامة تشغيلية أعلى.
الطاقة الإنتاجية والتوسع التدريجي
وفق بيانات الإطلاق، كان من المتوقع أن تصل الطاقة الإنتاجية لمزرعة “قرون” عند اكتمال تشغيلها الكامل إلى نحو 4600 طن سنويًا، فيما كان يُستهدف الوصول إلى إنتاج 2100 طن خلال العام الذي تلا التدشين مباشرة.
ولم يكن هذا الهدف مجرد رقم نظري؛ فبعد أشهر قليلة من الانطلاقة، بدأت شركة تنمية أسماك عُمان الحصاد التجاري الفعلي من المشروع في منطقة “قرن” بولاية جعلان بني بو حسن، بمعدل إنتاج شهري بلغ نحو 400 طن، وهو رقم يعكس سرعة وصول المشروع إلى مراحل تشغيلية متقدمة خلال فترة قصيرة نسبيًا، ويؤكد جدوى النموذج الاستثماري الذي اعتُمد في تنفيذه.
هذا الانتقال السريع من مرحلة الإنشاء إلى الإنتاج التجاري الفعلي يحمل دلالة مهمة: أن مشاريع الاستزراع في عُمان لم تعد تجارب استكشافية، بل أصبحت صناعة قائمة بذاتها تساهم بصورة ملموسة في السوق المحلي وقنوات التصدير.
رابعًا: مشروع مزرعة الخويمة.. توسّع جديد بمعايير بيئية متقدمة
في امتداد طبيعي لنجاح مزرعة “قرون”، أطلقت شركة تنمية أسماك عُمان مشروعًا ثانيًا لاستزراع الروبيان في منطقة الخويمة بولاية جعلان بني بو علي، في محافظة جنوب الشرقية، على مساحة مليوني متر مربع، وباستثمار بلغ نحو 16 مليون ريال عُماني.
رعى افتتاح هذا المشروع معالي الدكتور سعود بن حمود الحبسي، وزير الثروة الزراعية والسمكية وموارد المياه، الذي أكد أن مزرعة الخويمة ستعزز إنتاج عُمان في مجال الاستزراع السمكي، إضافة إلى دورها في خلق فرص عمل جديدة لأبناء محافظة جنوب الشرقية.
معايير بيئية صارمة
ما يميز مشروع الخويمة عن سابقه هو التركيز الواضح على المعايير البيئية المتقدمة منذ مرحلة التصميم. فقد أوضح رئيس مجلس إدارة شركة تنمية أسماك عُمان أن البنية الأساسية لمزرعة الخويمة تضم منشآت مطابقة لأعلى المعايير البيئية، تشمل أحواضًا مبطنة بالكامل لمنع أي تسرب أو تلوث للمياه الجوفية أو التربة المحيطة، إلى جانب تجارب مستمرة لتطوير نظام تشغيل خالٍ تمامًا من المواد الكيميائية.
هذا التوجه يعكس وعيًا متناميًا لدى المؤسسات المعنية بأن استدامة قطاع الاستزراع لا تتحقق فقط بزيادة الطاقة الإنتاجية، بل بالحفاظ المتوازي على البيئة الساحلية التي يعتمد عليها القطاع نفسه على المدى الطويل. فأي تدهور بيئي ناتج عن ممارسات استزراع غير مسؤولة قد ينعكس سلبًا على جودة المياه والمخزون السمكي الطبيعي المجاور، ما يهدد استدامة الصناعة بأكملها.
وقد أشار مسؤولون من شركة تنمية أسماك عُمان إلى أن مشروع الخويمة يأتي تتويجًا لسلسلة من المشروعات التي أسستها الشركة لتطوير قطاع الثروة السمكية في السلطنة، ورفده باستثمارات تعزز قيمته الاقتصادية واستدامته على حد سواء.
الأثر المتوقع على الاقتصاد الأزرق
من المتوقع أن يساهم مشروع استزراع الروبيان في الخويمة بشكل كبير في تعزيز الاقتصاد الأزرق في البلاد، عبر خلق فرص لمشاريع ذات قيمة مضافة مرتبطة بالصناعات التحويلية والتعبئة والتغليف والنقل المبرّد، إضافة إلى دوره في نقل التكنولوجيا الحديثة في مجال الاستزراع المائي، وتعزيز قدرات القوى العاملة الوطنية من خلال التدريب والتوظيف المباشر في مختلف مراحل التشغيل.
كما أكد مسؤول في دائرة تنمية الاستزراع السمكي بوزارة الثروة الزراعية والسمكية وموارد المياه أن مشروع زراعة الروبيان في الخويمة يُعد من المشروعات الرائدة في السلطنة، لكونه يحقق الأمن الغذائي ويزيد من إنتاج المصايد السمكية والاستزراع السمكي، بما ينسجم تمامًا مع مستهدفات رؤية عُمان 2040.
خامسًا: شراكات القطاع الخاص.. توسيع قاعدة الاستثمار في جعلان
لم تقتصر مشاريع الاستزراع في جعلان على شركة تنمية أسماك عُمان وحدها، بل فتحت السلطنة المجال أمام شركاء من القطاع الخاص للاستثمار في هذا القطاع الواعد، إيمانًا بأن تنويع مصادر الاستثمار يسرّع وتيرة النمو ويزيد من تنافسية المنتج العُماني.
مشروع “المحلية للأسماك”
من بين المشاريع البارزة قيد التنفيذ في جعلان بني بو علي، مشروع شركة المحلية للأسماك المتخصص في استزراع الروبيان ذي الأرجل البيضاء، وهو أحد الأنواع التجارية الأكثر طلبًا عالميًا لجودته العالية وملاءمته لظروف الاستزراع في المياه الدافئة شبه المدارية.
مشروع “فخر البحار”
في إطار توسعة قاعدة المستثمرين، تم توقيع عقد مشروع لاستزراع الروبيان ذي الأرجل البيضاء مع شركة فخر البحار في منطقة عوراب بولاية جعلان بني بو علي، على مساحة 101 هكتار، باستثمار بلغ نحو 6 ملايين و335 ألف ريال عُماني. ويأتي هذا المشروع ضمن مخرجات برنامج استثماري أوسع انبثق عن “مختبر الأمن الغذائي”، الذي شهد اعتماد مئات المشاريع الاستثمارية في قطاعات السلة الغذائية الوطنية.
مشروع العربية لتنمية الأحياء المائية
وقّعت شركة العربية لتنمية الأحياء المائية عقد مشروع استزراع سمكي بالنظام المكثف باستخدام الأحواض، في قرية الخويمة بولاية جعلان بني بو علي، على مساحة تُقدّر بـ340 هكتارًا، وباستثمار بلغ نحو 10 ملايين و238 ألف ريال عُماني. ويهدف هذا النمط من المشاريع إلى رفع الكثافة الإنتاجية للهكتار الواحد، عبر تقنيات تربية مكثفة تعتمد على إدارة دقيقة لجودة المياه والتغذية.
هذا التنوع في الشركاء والنماذج الاستثمارية -من الشركات الحكومية شبه المملوكة إلى الشركات الخاصة الصغيرة والمتوسطة- يعكس نضج البيئة الاستثمارية لقطاع الاستزراع السمكي في عُمان، ويؤسس لمنظومة تنافسية صحية تدفع نحو تحسين الكفاءة وخفض التكاليف ورفع الجودة.
سادسًا: ما هو “الروبيان ذو الأرجل البيضاء” ولماذا اختارته عُمان؟
تتركز غالبية مشاريع جعلان على استزراع نوع محدد يُعرف بـ”الروبيان ذي الأرجل البيضاء” (Litopenaeus vannamei)، وهو أحد أكثر أنواع الروبيان المستزرعة انتشارًا في العالم، وذلك لعدة أسباب فنية واقتصادية:
- سرعة النمو: يصل هذا النوع إلى الحجم التجاري المناسب للحصاد خلال فترة زمنية قصيرة نسبيًا مقارنة بأنواع أخرى، ما يتيح دورات إنتاج متعددة في العام الواحد.
- مقاومة الأمراض: يتميز بمقاومة جيدة نسبيًا للأمراض الشائعة في برك الاستزراع، إذا ما تم الالتزام بمعايير الأمن الحيوي الصارمة.
- الملاءمة المناخية: يتلاءم بشكل جيد مع درجات الحرارة ومعدلات الملوحة السائدة في مياه بحر العرب قبالة سواحل جنوب الشرقية.
- الطلب التجاري العالمي: يحظى بإقبال واسع في الأسواق الدولية، ما يفتح أمام عُمان فرص تصدير حقيقية إلى أسواق آسيا وأوروبا والخليج.
إلى جانب الروبيان، تتجه بعض المشاريع في عُمان -ومنها مشاريع قيد التنفيذ في جعلان وولايات أخرى- نحو استزراع أنواع من الأسماك الزعنفية البحرية، إذ تتمتع السلطنة ببيئة بحرية تسمح باستزراع أكثر من 15 نوعًا من الكائنات المائية، تشمل إلى جانب الروبيان ذي الأرجل البيضاء: الصفيلح العُماني، والكوفر الأوروبي، والقاروص (السيباس)، وأنواعًا أخرى من الأسماك البحرية ذات القيمة الاقتصادية المرتفعة، وهو تنوع يمنح السلطنة ميزة تنافسية في سوق عالمي متعطش للمنتجات البحرية المستدامة.
سابعًا: الأرقام الوطنية.. نمو متسارع لقطاع الاستزراع السمكي
لفهم حجم التحول الذي تشهده عُمان في هذا القطاع، تجدر الإشارة إلى المؤشرات الوطنية الإجمالية لإنتاج الاستزراع السمكي خلال السنوات الأخيرة:
- في عام واحد من السنوات الأولى لانطلاق القطاع التجاري، بلغ إجمالي إنتاج مشاريع الاستزراع السمكي في عُمان من صنفي الاستزراع التكاملي والتجاري نحو 1703 أطنان، من أبرز أصنافها أسماك البلطي والكوفر، إلى جانب الكميات المتزايدة من الروبيان.
- شهد العام التالي قفزة كبيرة، إذ بلغ إنتاج الاستزراع السمكي محليًا 3469 طنًا، أي بزيادة تجاوزت 90% مقارنة بالعام السابق، بقيمة إجمالية قُدّرت بنحو 7.33 مليون ريال عُماني.
- بحلول نهاية عام 2023، بلغت قيمة استثمارات مشاريع استزراع الروبيان وحدها في عُمان أكثر من 134 مليون ريال عُماني، موزعة على مشاريع متعددة في محافظات جنوب الشرقية والوسطى وظفار ومسقط ومسندم.
هذا النمو المتسارع في الإنتاج والاستثمار يعكس نجاح النموذج التنموي الذي تبنته الحكومة العُمانية، القائم على الشراكة بين القطاعين العام والخاص، والتدرج في التوسع من مشاريع تجريبية صغيرة إلى مزارع تجارية ضخمة قادرة على المنافسة إقليميًا ودوليًا.
ثامنًا: مشاريع موازية على امتداد السلطنة.. جعلان نموذج ضمن منظومة وطنية
رغم أن جعلان تُعد المركز الأبرز لمشاريع استزراع الروبيان في عُمان، إلا أنها ليست المنطقة الوحيدة التي تشهد هذا التوسع. فقد امتدت خطة الحكومة لتشمل عدة محافظات أخرى، في إطار رؤية متكاملة لتحويل السلطنة إلى مركز إقليمي للاستزراع السمكي، من أبرز هذه المشاريع:
- مشروع استزراع الصفيلح العُماني في ولاية مرباط بمحافظة ظفار، الذي يشهد تنفيذ مراحل توسعية متتالية.
- مشروع نباتات الوطن للاستزراع الأحيومائي في ولاية بركاء بمحافظة جنوب الباطنة.
- مشروع مسندم للاستزراع السمكي المتخصص في الأسماك الزعنفية البحرية، بولاية خصب في محافظة مسندم.
- مشروع المتحدة للاستزراع السمكي في ولاية السيب بمحافظة مسقط.
- مشروع بلو اكوا والعنقاء الوطنية في ولاية شناص بمحافظة شمال الباطنة.
- مشروع تنمية أسماك عُمان في بر الحكمان بولاية محوت في محافظة الوسطى.
- مشروع استزراع الروبيان العملاق في رأس مدركة، باستثمار يقارب 32 مليون ريال عُماني.
- مشروع تسمين التونة بالأقفاص العائمة في ولاية قريات.
- مشروع استزراع الطحالب في ولاية السويق بمحافظة شمال الباطنة.
هذا الانتشار الجغرافي الواسع للمشاريع يؤكد أن استراتيجية عُمان في الاستزراع السمكي لا تقوم على التركيز في منطقة واحدة فحسب، بل على بناء منظومة وطنية متكاملة توزّع المخاطر الإنتاجية والبيئية، وتستثمر في الميزات النسبية لكل ساحل من سواحل السلطنة، بدءًا من بحر العرب جنوبًا وصولًا إلى مضيق هرمز شمالًا.
تاسعًا: الإطار المؤسسي.. “مختبر الأمن الغذائي” وحوكمة المشاريع
لم تأتِ هذه الطفرة في مشاريع الاستزراع وليدة الصدفة، بل هي نتاج عمل مؤسسي منظم انبثق عن ما يُعرف بـ”مختبر الأمن الغذائي”، وهو برنامج استثماري وطني عملت عليه الحكومة العُمانية ضمن جهود تنفيذ رؤية عُمان 2040.
وقد شهد البرنامج الاستثماري للأمن الغذائي المنبثق عن هذا المختبر، خلال الفترة الممتدة من 2021 إلى 2025، اعتماد 436 مشروعًا استثماريًا موزعة على مختلف القطاعات ذات الصلة بالأمن الغذائي، بقيمة إجمالية بلغت نحو 1.757 مليار ريال عُماني، شملت قطاعات الزراعة والثروة الحيوانية والاستزراع السمكي والصناعات الغذائية المرتبطة بها.
وتشرف على متابعة تنفيذ هذه المشاريع وحدة متابعة تنفيذ رؤية عُمان 2040، بالتنسيق المباشر مع وزارة الثروة الزراعية والسمكية وموارد المياه، إلى جانب شركاء استثماريين من جهاز الاستثمار العُماني، وعلى رأسهم شركة تنمية أسماك عُمان التي تلعب دور الذراع التنفيذية الرئيسة لتطوير القطاع.
كما أطلقت وزارة التجارة والصناعة وترويج الاستثمار، ممثلة بمنصة “استثمر في عُمان”، بالتعاون مع وزارة الثروة الزراعية والسمكية وموارد المياه، حزمًا استثمارية نوعية موجهة للمستثمرين المحليين والأجانب في قطاع الأمن الغذائي، تتضمن بيانات فنية وقيمًا استثمارية ونماذج تشغيل واضحة، بهدف تسريع اتخاذ القرار الاستثماري ورفع جاهزية المشروعات للتنفيذ الفعلي. ومن أبرز ما تضمنته هذه الحزم مشاريع متعددة في جعلان بني بو علي ورأس مدركة وقريات والسويق وشربثات، بقيمة استثمارية إجمالية تتجاوز 90 مليون ريال عُماني ضمن قطاع الثروة السمكية وحده.
هذا الإطار المؤسسي المنظم يمنح المستثمرين ثقة أكبر، ويقلل من المخاطر البيروقراطية التي قد تعرقل عادة مشاريع البنية التحتية الكبرى، ما ينعكس إيجابًا على سرعة تنفيذ المشاريع وانتقالها من مرحلة التخطيط إلى الإنتاج التجاري الفعلي خلال فترات زمنية معقولة، كما تجلّى بوضوح في تجربتي “قرون” و”الخويمة”.
عاشرًا: الأبعاد الاجتماعية والاقتصادية.. ما الذي تجنيه جعلان والسلطنة؟
تتجاوز أهمية مشاريع الاستزراع في جعلان البعد الاقتصادي الصرف، لتمتد إلى أبعاد اجتماعية وتنموية عميقة تنعكس على المجتمعات المحلية في محافظة جنوب الشرقية:
1. خلق فرص العمل
تتطلب مزارع الاستزراع، بدءًا من مرحلة الإنشاء وحتى التشغيل المستمر، أعدادًا كبيرة من الأيدي العاملة في تخصصات متنوعة، تشمل فنيي الاستزراع السمكي المتخصصين في مراقبة جودة المياه وتغذية اليرقات ومتابعة عمليات التفريخ والفقس، وعمال الأحياء المائية المسؤولين عن التغذية اليومية وصيانة الأقفاص والشباك والمساعدة في عمليات الفرز والحصاد، إضافة إلى الكوادر الإدارية والفنية واللوجستية. وقد بدأت بالفعل شركات عاملة في القطاع، مثل شركة “المياه الزرقاء”، بالإعلان عن وظائف متخصصة في مجالات الإنتاج والحضانة، وهو مؤشر مباشر على التوسع التشغيلي الفعلي لهذه الصناعة على أرض الواقع.
2. نقل التكنولوجيا وبناء القدرات الوطنية
تعتمد مشاريع الاستزراع الحديثة في جعلان على تقنيات متقدمة في إدارة جودة المياه، والتفريخ الاصطناعي، والتغذية المحسوبة بدقة، وأنظمة الأمن الحيوي للوقاية من الأمراض. وتساهم هذه المشاريع، من خلال الشراكات مع خبرات دولية، في نقل هذه المعرفة الفنية إلى الكوادر العُمانية، وبناء جيل من المتخصصين المحليين القادرين على إدارة هذه الصناعة وتطويرها مستقبلًا دون اعتماد كبير على الخبرات الأجنبية.
3. تنويع مصادر الدخل في المناطق الساحلية
تاريخيًا، اعتمدت المجتمعات الساحلية في جعلان على الصيد التقليدي كمصدر رئيس للدخل، وهو نشاط يظل عرضة لتقلبات المخزون السمكي الطبيعي والظروف المناخية الموسمية. ومع دخول مشاريع الاستزراع المنظم، أصبح أمام السكان المحليين مصدر دخل إضافي وأكثر استقرارًا، يقوم على عمالة منتظمة برواتب ثابتة، إلى جانب فرص لإقامة أنشطة اقتصادية مساندة مثل النقل والتوريد والخدمات اللوجستية المرتبطة بالمزارع.
4. تعزيز القيمة المضافة في سلسلة الإنتاج الغذائي
لا تقتصر العوائد الاقتصادية على بيع الروبيان أو الأسماك خامًا، بل تمتد إلى صناعات تحويلية محتملة كالتعليب والتجميد والتعبئة والتغليف والتسويق والتصدير، وهي أنشطة يمكن أن تتوسع مستقبلًا في محافظة جنوب الشرقية لتشكل سلسلة قيمة متكاملة، بما يرفع من مساهمة القطاع في الناتج المحلي الإجمالي ويخلق فرص عمل إضافية في مراحل ما بعد الحصاد.
حادي عشر: التحديات التي تواجه قطاع الاستزراع في جعلان
رغم النجاحات اللافتة، يواجه قطاع الاستزراع السمكي في عُمان عمومًا، وفي جعلان خصوصًا، عددًا من التحديات التي تستدعي معالجة مستمرة لضمان استدامة النمو:
التخطيط المكاني البحري
أشار خبراء دوليون مشاركون في مناسبات متخصصة بقطاع الاستزراع السمكي في عُمان إلى ضرورة النظر في تنمية تربية الأحياء المائية ضمن السياق الأوسع للتخطيط المكاني البحري، بهدف تقليل التأثيرات المحتملة على المناطق الساحلية، وتجنب التعارض مع أنشطة أخرى كالصيد التقليدي والسياحة البيئية والملاحة.
الأمن الحيوي ومكافحة الأمراض
تظل مزارع الاستزراع المكثف عرضة لمخاطر تفشي الأمراض بين أحواض التربية، ما يستدعي استثمارات مستمرة في أنظمة المراقبة والرصد المبكر، والالتزام الصارم بمعايير الأمن الحيوي في جميع مراحل الإنتاج، من التفريخ وحتى الحصاد.
استدامة جودة المياه
يتطلب الاستزراع المكثف إدارة دقيقة لجودة المياه ومعالجة المخلفات العضوية الناتجة عن الأحواض، لتفادي أي تأثير سلبي على البيئة البحرية المحيطة، وهو ما يفسر التوجه المتزايد في مشاريع مثل الخويمة نحو استخدام أحواض مبطنة وأنظمة تشغيل خالية من المواد الكيميائية.
المنافسة العالمية وتقلبات الأسعار
يخضع سوق الروبيان العالمي لتقلبات حادة في الأسعار، نتيجة المنافسة الشديدة من دول منتجة كبرى في آسيا وأمريكا اللاتينية، ما يستدعي من المشاريع العُمانية التركيز على التميز في الجودة والاستدامة البيئية كميزة تنافسية، بدلًا من المنافسة على السعر فقط.
التمويل وجاهزية البنية التحتية
تتطلب مشاريع الاستزراع الكبرى استثمارات أولية ضخمة في البنية التحتية، كما يتضح من قيم المشاريع التي تتراوح بين بضعة ملايين وعشرات الملايين من الريالات العُمانية، وهو ما يستلزم استمرار الدعم الحكومي وتسهيل الوصول إلى التمويل للمستثمرين، خصوصًا الشركات الصغيرة والمتوسطة الراغبة في دخول هذا القطاع.
ثاني عشر: آفاق المستقبل.. عُمان كمركز إقليمي للاستزراع السمكي
تتجه عُمان بخطى واثقة نحو ترسيخ موقعها كمركز إقليمي رائد في مجال الاستزراع السمكي، مدفوعة بخطة حكومية واضحة تشمل توسيع نطاق المشاريع في المياه المالحة والعذبة، وتطوير نماذج الاستزراع التكاملي، وزيادة التركيز على الأسماك البحرية ذات القيمة الاقتصادية العالية.
وقد شهدت السلطنة مؤخرًا فعاليات وملتقيات استراتيجية جمعت تحت مظلة واحدة كلًا من منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة (الفاو)، والجمعية العالمية للاستزراع المائي، إلى جانب شركات استزراع سمكي تجارية محلية، ومستثمرين محتملين ومؤسسات تمويلية، وخبراء دوليين وأكاديميين متخصصين، في إطار جهود متواصلة لوضع عُمان على خريطة الريادة الإقليمية في الأمن الغذائي والاقتصاد الأزرق، باستثمارات تتجاوز 2.6 مليار دولار أمريكي على مستوى القطاع ككل.
ومن المتوقع أن تشهد جعلان، بوصفها أحد أهم المراكز الإنتاجية القائمة فعليًا، مزيدًا من التوسع في السنوات المقبلة، سواء عبر زيادة الطاقة الإنتاجية للمشاريع القائمة كـ”قرون” و”الخويمة”، أو من خلال جذب مستثمرين جدد للمناطق الساحلية المتاحة في الولايتين، خاصة في ظل النجاح التشغيلي الذي أثبتته التجارب الأولى، وما حققته من معدلات إنتاج وتصدير لافتة خلال فترة قصيرة نسبيًا من انطلاقها.
خاتمة
لم تعد مشاريع استزراع الروبيان والأسماك في جعلان مجرد مبادرات استثمارية معزولة، بل تحوّلت إلى نموذج وطني متكامل يجسّد كيف يمكن لدولة محدودة الموارد الزراعية التقليدية أن تحوّل ميزتها الجغرافية البحرية إلى رافعة حقيقية للأمن الغذائي والتنويع الاقتصادي. فمن مزرعة “قرون” التي دشّنت مرحلة الاستزراع التجاري الفعلي في البلاد، إلى مزرعة الخويمة التي رفعت سقف المعايير البيئية، مرورًا بمشاريع شراكة القطاع الخاص المتنامية في عوراب وغيرها، ترسم محافظة جنوب الشرقية، وفي قلبها ولايتا جعلان بني بو علي وجعلان بني بو حسن، ملامح مستقبل واعد لصناعة الاستزراع السمكي العُمانية.
ومع استمرار الدعم المؤسسي عبر وحدة متابعة تنفيذ رؤية عُمان 2040 ووزارة الثروة الزراعية والسمكية وموارد المياه، وتوسع قاعدة الشراكات الاستثمارية محليًا ودوليًا، تبدو السلطنة في موقع جيد لتحقيق طموحها بأن تصبح مركزًا إقليميًا رائدًا في الاستزراع السمكي، بما يخدم في الوقت ذاته هدفين استراتيجيين متلازمين: تعزيز الأمن الغذائي المائي للسلطنة، وبناء اقتصاد أزرق مستدام يفتح آفاقًا اقتصادية واجتماعية جديدة لأجيال قادمة من أبناء الساحل العُماني.