المشهد الأثري: التنقيبات الأخيرة في مستوطنات العصر الحديدي بمحافظة الظاهرة في سلطنة عُمان
تمتد محافظة الظاهرة في الشمال الغربي من سلطنة عُمان، محتضنةً بين سفوح جبال الحجر الغربي وأطراف الربع الخالي، وتضم ولايات عبري وينقل وضنك. هذه المحافظة، التي قد تبدو للزائر العابر أرضًا صحراوية هادئة تتخللها الأودية والنخيل، تخفي تحت رمالها وتلالها الصخرية واحدًا من أغنى السجلات الأثرية في شبه الجزيرة العربية، يمتد عبر آلاف السنين من العصر الحجري الحديث مرورًا بالعصر البرونزي ووصولًا إلى العصر الحديدي الذي يحظى اليوم باهتمام متجدد من البعثات الأثرية المحلية والدولية على حد سواء.
ويكتسب العصر الحديدي في عُمان (الممتد تقريبًا بين 1300 و300 قبل الميلاد) أهمية خاصة في الدراسات الأثرية، إذ يمثل المرحلة التي شهدت فيها شبه الجزيرة العربية الجنوبية الشرقية تحولًا جذريًا في أنماط الاستيطان والزراعة والتنظيم الاجتماعي، ويُعتقد أنه العصر الذي تطورت فيه تقنية الأفلاج التي لا تزال تروي بساتين عُمان حتى اليوم. وتأتي محافظة الظاهرة في قلب هذا المشهد، بما تضمه من مواقع مثل قميراء وعين بني ساعدة في ولاية ضنك، إلى جانب مواقع أخرى متناثرة في ولايتي عبري وينقل، لتشكل نافذة حقيقية على حياة الإنسان العُماني القديم في هذه الحقبة الفاصلة.
ويقسم الباحثون عادة العصر الحديدي العُماني إلى مراحل فرعية متعاقبة، أبرزها ما يُعرف بفترة “سمد” التي تمتد تقريبًا بين 500 و600 قبل الميلاد، وتُعد من أواخر أطوار هذا العصر، وقد سُميت نسبة إلى موقع سمد الشأن الذي شهد من أوائل أعمال التنقيب المنهجي في عُمان منذ سبعينيات القرن الماضي. وإلى جانب فترة سمد، يميز الباحثون أيضًا فترة “لزق” الأقدم، التي تعود إلى نحو ألف عام قبل الميلاد، وتتميز بمدافن دائرية الأطراف مبنية من حجارة كبيرة جُلبت خصيصًا من المحاجر، بهدف تأمين هذه المقابر من انجراف مياه الأودية. هذا التقسيم الزمني الدقيق، المستمد أساسًا من دراسات العادات الجنائزية ومن تسلسل الطبقات الفخارية، يوفر للباحثين العاملين في الظاهرة إطارًا مرجعيًا يقارنون به ما يكتشفونه من معطيات جديدة.
تستعرض هذه المقالة أبرز التنقيبات الأثرية الحديثة في مستوطنات العصر الحديدي بمحافظة الظاهرة، وما كشفت عنه من معالم عمرانية وقطع أثرية، إلى جانب الجهود المؤسسية والدولية التي تقف خلف هذه الاكتشافات، وما تعنيه هذه النتائج لفهمنا لتاريخ عُمان القديم.
محافظة الظاهرة: مسرح طبيعي للاستيطان القديم
لم يكن اختيار الإنسان القديم للاستقرار في أرض الظاهرة محض صدفة. فالمحافظة تتميز بموقع جغرافي وسيط بين محافظات شمال الباطنة والداخلية والبريمي، ما جعلها على مر العصور ممرًا رئيسيًا لطرق القوافل التجارية العابرة بين الساحل العُماني والمناطق الداخلية وصولًا إلى أطراف الجزيرة العربية. وقد أسهم هذا الموقع المتوسط، الواقع عند أطراف سلسلة جبال الحجر الغربي، في تسهيل حماية الطرق والممرات التجارية، فضلًا عن وفرة الموارد المائية المتمثلة في الأودية والعيون الطبيعية كعين بني ساعدة ووادي قميراء، التي جعلت من البلدة محطة استيطانية متكررة عبر العصور.
كما تزخر المحافظة بثروة معدنية معروفة منذ القدم، خصوصًا خامات النحاس التي استثمرها سكان المنطقة في صناعة الأدوات والأسلحة، وهو ما يفسر جزئيًا كثافة الاستيطان في هذه الرقعة الجغرافية خلال العصرين البرونزي والحديدي. وتشير الدراسات التراثية الرسمية إلى أن محافظة الظاهرة تضم حوالي 123 حارة أثرية ووجود 54 حصنًا موزعة على ولايات عبري وينقل وضنك، وهو رقم يعكس كثافة الإرث العمراني التاريخي في هذه البقعة من عُمان، وإن كان جزء كبير منه يعود إلى فترات إسلامية لاحقة وليس إلى العصر الحديدي حصرًا.
ولا يقتصر الإرث الطبيعي والتراثي لمحافظة الظاهرة على المستوطنات والحصون فحسب، بل يمتد إلى منظومة من الكهوف والتشكيلات الصخرية التي شكلت في بعض الأحيان ملاجئ أو محطات استيطانية موسمية عبر العصور. فولاية عبري وحدها تضم أكثر من 70 كهفًا، أشهرها كهف الكتان اللامع، الذي يُعد من أكبر الكهوف في سلطنة عُمان. وتساهم هذه التضاريس المتنوعة، التي تجمع بين الجبال والكهوف والأودية والسهول الصحراوية، في تعقيد وإثراء المشهد الأثري للمحافظة، إذ يحتاج الباحثون إلى مسح مناطق متباينة طبوغرافيًا للوصول إلى الصورة الكاملة لأنماط الاستيطان القديم. ومن أبرز هذه الأودية التي شكلت محاور استيطانية تاريخية: حوراء ينقل، ووادي الفتح، ووادي ضنك، ووادي الكبير، ووادي العين، وجميعها وفّرت مصادر مياه دائمة أو موسمية ساعدت على استقرار التجمعات السكانية القديمة بالقرب منها.
موقع قميراء وعين بني ساعدة: قلب التنقيبات الحديثة
يُعد موقع قميراء بولاية ضنك، وما يتصل به من موقع عين بني ساعدة، أبرز نقطة في خريطة التنقيبات الأثرية الحديثة بمحافظة الظاهرة فيما يخص العصر الحديدي. فقد بدأت أعمال المسح والتنقيب في هذا الموقع بالتعاون بين وزارة التراث والثقافة (والمسماة لاحقًا وزارة التراث والسياحة) وفريق من علماء الآثار من جامعة وارسو البولندية، واستمرت عبر مواسم متعاقبة كشفت تباعًا عن طبقات استيطانية متلاحقة.
وتؤكد التقارير الرسمية أن منطقة قميراء من المواقع الأثرية المهمة التي تدل على تاريخ استيطاني يمتد من العصر الحجري الحديث إلى العصر الحديدي، وقد توزعت أعمال المسح والتنقيب على عدة مواقع فرعية متجاورة، أُطلق على كل منها مسمى “قميرا” متبوعًا برقم تسلسلي:
- موقع قميرا (1): وهو مقبرة جماعية ترجع إلى فترة الألف الثالث قبل الميلاد، حيث كشفت أعمال الحفر عن قبر جماعي يضم عدة غرف دفن، عُثر فيها على بقايا هياكل عظمية مصحوبة بمجموعة من اللقى الجنائزية شملت أوانيَ فخارية وحجرية وخرزًا وسهامًا.
- موقع قميرا (2): ويُعد أكبر هذه المواقع، وهو عبارة عن مستوطنة تضم العديد من المباني السكنية المبنية على أساسات حجرية، وبرجًا أثريًا دائري الشكل، وعددًا من الكسر الفخارية المحلية والمستوردة، ما يشير إلى أن سكان الموقع كانوا على صلة تجارية أو ثقافية بمناطق أخرى.
- موقع قميرا (3): وهو مستوطنة يمتد تاريخها من العصر البرونزي إلى العصر الحديدي، ما يجعله شاهدًا مهمًا على الاستمرارية الاستيطانية في المنطقة عبر فترتين حضاريتين متعاقبتين.
- موقعا قميرا (20) و(21): حيث تم إجراء مسوحات أثرية تمثلت في جمع عينات من السطح دلت على أن الموقعين يعودان إلى العصر الحديدي الثاني، وهي إشارة إلى أن الاستيطان في هذه البقعة لم يكن مقتصرًا على المرحلة المبكرة من العصر الحديدي بل امتد إلى أطواره المتأخرة.
وتأتي أهمية هذه المواقع مجتمعة من كونها تمثل ثلاث مناطق استيطان تتحدث عن العصر الحجري الحديث والبرونزي والحديدي، وهي عبارة عن مقابر ومبانٍ سكنية وإدارية تعود للألفية الثانية قبل الميلاد، ما يمنح الباحثين فرصة نادرة لدراسة التحول التدريجي في أنماط الاستيطان والعمارة والممارسات الجنائزية عبر فترة زمنية طويلة نسبيًا، دون الحاجة إلى الانتقال بين مواقع متباعدة جغرافيًا.
كشوفات الموسم السادس: مدينة صغيرة من الألف الأولى قبل الميلاد
من أبرز ما أسفرت عنه التنقيبات الأخيرة في موقع عين بني ساعدة، ضمن ما عُرف بالموسم السادس من أعمال البعثة البولندية بالتعاون مع وزارة التراث والسياحة، هو الكشف عن شواهد أثرية لمدينة صغيرة تعود للألف الأولى قبل الميلاد، أي للعصر الحديدي. ولم يكن هذا الاكتشاف مجرد توسع في رقعة الموقع المعروف سابقًا، بل حمل دلالة اجتماعية لافتة وفق ما أوضحه رئيس البعثة البولندية الدكتور بيتر بيلنسكي من جامعة وارسو.
فقد أشار بيلنسكي إلى أن الفريق يكشف عن مدينة صغيرة قديمة بدت وكأنها نسخة مصغرة عن مدينة أكبر، وهو ما يعكس حالة اجتماعية معينة كانت سائدة في تلك الفترة، في إشارة إلى احتمال وجود تراتبية أو تمايز بين المستوطنات الكبرى والصغرى ضمن المنظومة الاستيطانية الواحدة خلال العصر الحديدي. كما عُثر في هذا الموقع الجديد على وعاء فخاري مزخرف مصنوع باليد، وُصف بأنه أول قطعة من نوعها يُعثر عليها كاملة في الموقع.
ولفتت أعمال التنقيب أيضًا إلى نمط مثير في سلوك السكان القدامى عند هجرهم للموقع، إذ لاحظ الفريق البحثي أن السكان عندما تركوا القرية أخذوا معهم الأواني الفخارية الصغيرة، وتركوا وراءهم الأواني الكبيرة المستخدمة لحفظ الماء والحبوب، والتي عُثر عليها بالعشرات. ويرى الباحثون أن هذا النمط يمنحهم مادة غنية لفهم آليات الانتقال والهجرة الموسمية أو الدائمة لدى مجتمعات العصر الحديدي، وإن كانت البعثة، بحسب ما أوضحه بيلنسكي، لم تتمكن بعد من الوصول إلى تفاصيل دقيقة حول كيفية تحضير الطعام، لكنها توصلت إلى معطيات حول طريقة تخزينه.
ولم تقتصر اللقى المكتشفة على الأواني الفخارية، إذ تم العثور أيضًا على سلالم ومواقد للطبخ ضمن الموقع، وهي عناصر تساعد على إعادة بناء صورة أكثر تفصيلًا للحياة اليومية داخل هذه المستوطنة الصغيرة.
توسع رقعة البحث: من قميراء إلى بلت
لم تتوقف جهود البعثة البولندية عند حدود قميراء وعين بني ساعدة، بل امتدت لتشمل مواقع جديدة في محيط ولاية ضنك. فقد أفادت التقارير الرسمية بأن وزارة التراث والسياحة، إلى جانب بعثة جامعة وارسو، بدأت أعمال تنقيب وحفر في بلدة بلت بولاية ضنك للبحث وإجراء الدراسات في موقع أثري جديد. وأوضح علي بن خميس السديري، مدير إدارة التراث والسياحة بمحافظة الظاهرة آنذاك، أن هذا الموقع الجديد له ارتباط تاريخي بالمواقع الأثرية الأخرى في المنطقة، ما يعزز فرضية وجود شبكة استيطانية متصلة عبر وادي ضنك وروافده خلال فترات ما قبل الإسلام.
ويعكس هذا التوسع المنهجي في رقعة البحث استراتيجية علمية واضحة تتبناها البعثات العاملة في الظاهرة، قوامها عدم الاكتفاء بدراسة موقع واحد بمعزل عن سياقه الإقليمي، بل السعي لفهم الشبكة الكاملة من المستوطنات المتجاورة والمتعاقبة زمنيًا، بما يسمح بإعادة بناء خريطة استيطانية أكثر اكتمالًا لتاريخ المنطقة في الألف الأول قبل الميلاد.
اكتشافات معدنية: شواهد على نشاط استخراج النحاس
إلى جانب المستوطنات والمدافن، كشفت أعمال المسح الأثري في محيط ولاية إبراء، القريبة من حدود محافظة الظاهرة، عن أدلة على نشاط معدني يعود إلى الألفية الأولى قبل الميلاد. فقد نقلت تقارير صحفية عن شبكة “phys.org” البريطانية أن فريقًا من علماء الآثار عثر على عدة مستوطنات في منطقة قريبة من ولاية إبراء التابعة لمحافظة شمال الشرقية، من بينها كتلة من النحاس متآكلة من الخارج، تتكون من ثلاث سبائك فردية على شكل مخروط دائري.
ويتسق هذا الاكتشاف مع ما هو معروف عن النشاط النحاسي القديم في المناطق المجاورة لجبال الحجر، حيث تشير الدراسات التراثية إلى أن النحاس في عُمان القديمة كان يُستخلص بالصهر في أفران مبنية من الطين، إذ يُفتت الخام إلى قطع صغيرة ويُخلط مع الفحم النباتي، ثم يُحمى بمنفاخ ضخم إلى نحو 1150 درجة مئوية، ليتحول الخام إلى نحاس يُصب بعدها في حفر مسطحة بالرمل لتبريده، فتخرج السبائك في شكل أقراص دائرية. وهذه التقنية، التي وُثقت في مواقع أخرى من عُمان كموقع الميسر بولاية المضيبي، تلقي الضوء على الأساس الاقتصادي الذي استند إليه ازدهار الاستيطان في مناطق شبيهة بالظاهرة، حيث تتوافر خامات النحاس في التكوينات الجبلية المحيطة.
وتجدر الإشارة إلى أن نفايات الصهر، أو ما يُعرف بـ”الخبث”، كانت في حد ذاتها دليلًا أرشد الباحثين إلى الكشف عن أغنى مستوطنات النحاس في السلطنة، إذ تتبع علماء الآثار تركّزات هذا الخبث على طول أودية مثل وادي الجزي، حيث تنتشر مواقع مناجم قديمة عُرفت بأسماء محلية مثل الأصيل وعرجا والبيضاء والسياب وطوي عبيلة والواسط. وبالرغم من أن هذه المواقع تقع خارج حدود محافظة الظاهرة الإدارية الحالية، فإنها تنتمي إلى الحزام الجيولوجي نفسه الغني بالنحاس الذي يمتد عبر جبال عُمان، وهو ما يجعل من المرجح وجود نشاط معدني مماثل لم يُكتشف بعد بالكامل ضمن تضاريس الظاهرة الجبلية، خصوصًا في محيط ولايتي عبري وينقل اللتين تتميزان بتكوينات صخرية مشابهة.
ويستخدم الباحثون العاملون في هذه المواقع مجموعة متنوعة من أدوات التأريخ والتحليل لتحديد عمر الطبقات الاستيطانية المكتشفة، أبرزها تحليل التسلسل الطبقي للفخار، حيث تساعد التغيرات في أشكال الأواني وزخارفها وطرق صناعتها على تمييز المراحل الزمنية المختلفة داخل الموقع الواحد. كما يستعين الباحثون بطرق التأريخ بالكربون المشع على البقايا العضوية المكتشفة، إلى جانب دراسة الأنماط المعمارية للمباني والمدافن ومقارنتها بمواقع أخرى موثقة جيدًا، كموقع سلوت الذي بات يشكل مرجعية أساسية للمقارنة الإقليمية. وهذا المزيج من الأدلة المادية والتقنيات التحليلية الحديثة هو ما يتيح للبعثات العاملة في الظاهرة، كبعثة جامعة وارسو، تقديم تأريخات دقيقة نسبيًا لمستوطنات لم تكن معروفة سابقًا، رغم محدودية المصادر المكتوبة عن هذه الحقبة من تاريخ عُمان.
السياق الأوسع: العصر الحديدي في عُمان وموقع سلوت
لفهم أهمية ما يُكتشف في الظاهرة، لا بد من وضعه في سياق أوسع يشمل المواقع الكبرى الأخرى التي وثّقت العصر الحديدي العُماني، وعلى رأسها موقع سلوت بولاية بهلا (محافظة الداخلية)، الذي يُعد من أهم المرجعيات العلمية لفهم هذه الحقبة في عُمان، وإن لم يكن جزءًا من محافظة الظاهرة جغرافيًا.
فقد بدأ التنقيب في سلوت منذ سبعينيات القرن الماضي، حين قامت بعثة جامعة هارفارد الأمريكية بأعمال تنقيب في الموقع عام 1973، تلتها بعثة جامعة برمنجهام البريطانية عام 1980، ثم بعثة إيطالية بالتعاون مع مكتب مستشار السلطان قابوس للشؤون الثقافية في عامي 2007 و2008. وقد توصلت هذه الأعمال إلى نتائج لافتة حول العمران في العصر الحديدي بالموقع، إذ شهد العمران في تلك الفترة مرحلتين فصل بينهما دمار بسبب حرائق، كما دلت على ذلك آثار الحرق المكتشفة على جدران المباني وأرضياتها ووجود مواد عضوية محترقة. ومن أبرز مكتشفات هذه الحقبة في سلوت جرة فخارية أُرخت بعام 1300 قبل الميلاد، وإناء فخاري صغير، وقطعة من جرة فخارية عليها رسومات ثعابين تعود إلى ما بين 1200 و1100 قبل الميلاد.
وقد واصلت بعثات لاحقة العمل في سلوت، حيث ركزت دراسات الحفريات التي أُجريت بنهاية عام 2015 على الكشف عن جدار صخري ضخم يرجع إلى فترة العصر الحديدي، شكّل جزءًا من مستوطنة ضخمة عُرفت باسم “مدينة سلوت القديمة”. وأظهرت هذه الأعمال أن المدينة بُنيت على هضبة صخرية وسهل محيط بها، مشكّلةً مجموعة من المصاطب الحجرية الضخمة والمنازل، إلى جانب نظام لتصريف مياه الأمطار خطط بطريقة تدل على مهارة معمارية لافتة.
وفي تطور علمي أحدث، تناولت دراسة نُشرت ضمن مجلة الدراسات العُمانية نتائج موسم تنقيب ممتد بين عامي 2015 و2019 في موقع قرية سلوت، حيث أوضح الباحث الإيطالي ميشيل ديغلي إسبوستي أن موقع سلوت العائد إلى العصر الحديدي يتألف من منطقة سكنية واسعة تحيط بموقع محصن مثير للإعجاب، يُحتمل أن يكون مخصصًا لأنشطة مجتمعية أو احتفالية. وأشارت الدراسة إلى أنه بينما ركزت الأبحاث بين عامي 2004 و2015 على المنطقة المحصنة المعروفة باسم حصن سلوت، استهدفت تنقيبات 2015-2019 المستوطنة الأوسع المعروفة باسم قرية سلوت، وهو تحول منهجي يعكس توجهًا عامًا في علم الآثار العُماني نحو دراسة المستوطنات المدنية المحيطة بالمواقع المحصنة، وليس الاقتصار على الحصون والقلاع وحدها.
ويأتي هذا التوسع المنهجي في سلوت موازيًا لما يحدث في الظاهرة، حيث ينتقل التركيز البحثي تدريجيًا من المواقع الدفاعية المعزولة إلى فهم النسيج الاستيطاني الأشمل الذي شكّل حياة الإنسان العُماني في العصر الحديدي، بما يشمل المساكن والمقابر والمرافق الإدارية والاقتصادية.
الجهات المشرفة وآلية العمل الميداني
تتبنى وزارة التراث والسياحة في سلطنة عُمان نهجًا تعاونيًا واسعًا في إدارة أعمال المسح والتنقيب الأثري، إذ تستعين بعدد كبير من البعثات الأجنبية المتخصصة. وتشير تقارير صحفية إلى أن السلطنة استقبلت في مواسم سابقة ما يصل إلى 22 بعثة أثرية للدراسة والتنقيب في مختلف محافظات السلطنة، مع تركيز خاص على دراسة العصر الحديدي والحديدي الحديث والنظم الاجتماعية والغطاء الزراعي. وفي إطار هذا التعاون، عملت الوزارة مع جهات أكاديمية متعددة، منها جامعة توبنجن الألمانية وجامعة أكسفورد البريطانية في مسوحات أثرية بمناطق بين ولايتي عبري والرستاق، فضلًا عن البعثة البولندية من جامعة وارسو العاملة في الظاهرة، والبعثة الأمريكية من جامعة تمبل العاملة في مناطق أخرى من السلطنة.
وقد امتد هذا التعاون الدولي ليشمل بعثات من جامعات إيطالية أيضًا، إذ عملت بعثة إيطالية من جامعة بيزا بدعم وإشراف مكتب مستشار جلالة السلطان للشؤون الثقافية في موقع حصن سلوت الأثري بولاية بهلا، وهو ما يعكس حرص الجهات العُمانية المعنية على الاستفادة من الخبرات الأكاديمية المتنوعة عالميًا في تفسير المعطيات الأثرية المحلية.
ويُلاحظ أن المسح في محافظة الظاهرة لا يقتصر على البحث المباشر عن المستوطنات، بل يشمل أيضًا عمليات تنقيب إنقاذية حين تتأثر مواقع أثرية بمشاريع البنية التحتية. ومن الأمثلة على ذلك ما حدث في قرية محليا بولاية المضيبي (محافظة شمال الشرقية، خارج الظاهرة لكنها تمثل نموذجًا مماثلًا)، حيث تأثرت مجموعة من المدافن بمشروع إنشاء طريق وادي عندام، فتم إجراء حفرية إنقاذية في الموقع شملت 108 مدافن، كشفت عن نوعين من المدافن، مدافن للكبار وأخرى للصغار، بنيت تحت الأرض باتجاه شرق – غرب، وكان يُدفن الميت على جنبه الأيسر، وتعود تلك المدافن إلى فترة العصر الحديدي المتأخر. وقد اشتملت المعثورات على جرار فخارية مختلفة الأحجام والزخارف، وعدة أنواع من الخرز، ورؤوس سهام حديدية، وخواتم وحلق نحاسية، وحراب حديدية متكسرة، ودلايات حجرية.
ويبرز هذا النمط من العمل أهمية التنسيق بين الجهات التنموية والجهات التراثية في عُمان، بحيث لا تُفقد المعلومات الأثرية القيّمة عند تنفيذ مشاريع البنية التحتية، بل تُستثمر كفرصة لتوثيق ودراسة المواقع قبل أن تطالها أعمال الإنشاء.
الحفاظ المجتمعي على المواقع الأثرية
من الجوانب اللافتة في تجربة التنقيب بمنطقة قميراء، الدور الذي يضطلع به السكان المحليون في حماية المواقع الأثرية من العبث أو التخريب. فقد أشارت التقارير إلى أن البعثة الأثرية البولندية وجدت ضالتها في اللقى الأثرية الموجودة في المباني المكتشفة، والتي ظلت مادة خصبة للبحث العلمي والتقصي عن نمط الحياة في تلك الفترة، نظرًا لبقائها بحالة جيدة تسمح للباحثين بدراستها وتحليل مكوناتها، وأن أهالي بلدة قميراء كان لهم دور واضح في إبقاء هذه الآثار على حالتها السابقة دون عبث أو تدخل.
ويعكس هذا التفاعل الإيجابي بين المجتمعات المحلية والبعثات العلمية نموذجًا مهمًا للحفاظ على التراث، حيث يتحول السكان من مجرد مراقبين للعملية البحثية إلى شركاء فعليين في حماية الإرث الأثري، وهو عامل قد يفسر جزئيًا استمرار اكتشاف معطيات جديدة في الموقع موسمًا بعد آخر دون أن تتأثر سلامة اللقى الأثرية.
أهمية هذه الاكتشافات لفهم تاريخ عُمان القديم
تتجاوز قيمة هذه التنقيبات حدود الفضول الأكاديمي لتلامس أسئلة جوهرية حول هوية الإنسان العُماني القديم وأنماط حياته الاقتصادية والاجتماعية. فالعثور على مستوطنة “مدينة صغيرة” في عين بني ساعدة، ووصفها بأنها انعكاس لحالة اجتماعية معينة، يفتح الباب أمام تساؤلات حول طبيعة العلاقة بين المراكز الاستيطانية الكبرى والصغرى في عُمان خلال الألف الأول قبل الميلاد: هل كانت هذه المستوطنات الصغيرة تابعة اقتصاديًا أو إداريًا لمراكز أكبر كسلوت؟ وهل تعكس توزع السكان حركة هجرة موسمية مرتبطة بدورات الزراعة والرعي، أم استقرارًا دائمًا تخللته فترات من الانكماش والتوسع؟
كما أن استمرارية الاستيطان في مواقع مثل قميرا (3)، الممتدة من العصر البرونزي إلى العصر الحديدي، تتيح للباحثين دراسة آليات التحول الحضاري دون الحاجة للقفز بين مواقع منفصلة، وهو ما يجعل من محافظة الظاهرة مختبرًا طبيعيًا لفهم التطور التدريجي في تقنيات البناء والدفن والإنتاج الحرفي عبر فترات زمنية متعاقبة.
ويضيف اكتشاف الأدوات المعدنية، كسبائك النحاس المخروطية قرب إبراء، بُعدًا اقتصاديًا مهمًا لهذه الصورة، إذ يربط مستوطنات الظاهرة بشبكة تجارية وصناعية أوسع امتدت عبر عُمان القديمة بأكملها، وربما تجاوزتها إلى مناطق تجارية في الخليج والمحيط الهندي، نظرًا لما عُرف عن عُمان القديمة من ارتباط تاريخي بتجارة النحاس مع بلاد الرافدين، التي أشارت إليها نصوص سومرية وأكدية قديمة إلى أرض “مجان” الغنية بالنحاس.
خاتمة
تكشف التنقيبات الأخيرة في مستوطنات العصر الحديدي بمحافظة الظاهرة عن صورة معقدة وغنية لمجتمعات استقرت في هذه الأرض قبل أكثر من ثلاثة آلاف عام، تركت وراءها مدافن جماعية ومستوطنات سكنية وأبراجًا أثرية وأدلة على نشاط معدني متقدم. ومن موقع قميراء وعين بني ساعدة في ولاية ضنك، مرورًا بمحيط إبراء وصولًا إلى السياق الأوسع الذي يمثله موقع سلوت في محافظة الداخلية، يتضح أن العصر الحديدي في عُمان لم يكن حقبة هامشية، بل مرحلة تأسيسية شهدت تبلور أنماط استيطانية واقتصادية واجتماعية ستستمر، بأشكال متطورة، حتى عصور لاحقة.
وبفضل التعاون المستمر بين وزارة التراث والسياحة العُمانية والبعثات الأكاديمية الدولية من بولندا وألمانيا وبريطانيا وإيطاليا وأمريكا، إلى جانب وعي المجتمعات المحلية بأهمية حماية إرثها، تتواصل عملية إماطة اللثام عن هذا الفصل المهم من تاريخ شبه الجزيرة العربية، موسمًا بعد آخر، تاركةً الباب مفتوحًا أمام مزيد من الاكتشافات التي قد تعيد تشكيل فهمنا لهوية الإنسان العُماني القديم وعلاقاته بمحيطه الإقليمي والدولي.