تاريخ

النقوش الصخرية بالرستاق: رموز دماء والرسوم الجدارية العتيقة بوادي بني غافر

النقوش الصخرية بالرستاق: رموز دماء والرسوم الجدارية العتيقة بوادي بني غافر

حين تتكلّم الصخور

في أعماق الجبال الشامخة المحيطة بولاية الرستاق، حيث تتشابك أودية الحجر وتتخللها مجاري المياه المتقطعة، ثمة لغةٌ صامتة نقشتها أيدٍ بشرية على صفحات الصخر منذ آلاف السنين. إنها النقوش الصخرية، تلك الأبجدية البصرية الغامضة التي تقف شاهدًا على حضارات سابقة، وتروي حكايات إنسان ما قبل التاريخ في عُمان، قبل أن تختلط عليه حدود الأسطورة والواقع. ووادي بني غافر، ذلك الوادي الضارب بجذوره في أحشاء جبال الحجر الغربي قرب الرستاق، ليس مجرد وادٍ يسيل فيه الماء في موسم الأمطار، بل هو متحف مفتوح تحت السماء، نُقشت على جدرانه وأرضيته علاماتٌ يصطلح عليها الباحثون المحليون والمهتمون بالتراث بـ”رموز الدماء”، وهي نقوش وصور تجمع بين المشاهد الطقسية والصيد والحياة اليومية وما هو أبعد من ذلك، ربما نداءات روحية موجهة إلى عالم الغيب.

تسعى هذه المقالة إلى استكشاف هذا الإرث البصري المنقور على صخور وادي بني غافر، وتسليط الضوء على طبيعة هذه النقوش وأنواعها ودلالاتها الثقافية والتاريخية، وما تكشفه عن طبيعة الإنسان العُماني القديم ورؤيته للعالم من حوله.

الرستاق: قلعة التاريخ وبوابة الجبل

لا يمكن الحديث عن نقوش وادي بني غافر دون المرور بمدينة الرستاق العريقة، التي تُعدّ واحدة من أعرق المدن العُمانية وأكثرها ثراءً تاريخيًا. فالرستاق كانت عاصمة عُمان في حقب مختلفة، وخضعت لحضارات ممتدة من الفرس والعرب القاطنين في شبه الجزيرة العربية منذ فجر التاريخ. قلعتها الشامخة، التي يعود تأسيسها إلى ما قبل الإسلام، واحة النخيل والأفلاج المحيطة بها، وطريق القوافل التجارية التي مرّت عبر أوديتها، كل ذلك يجعل المنطقة مهيأة لاحتضان إرث من الرموز والمعتقدات الراسخة في الذاكرة الجماعية.

وادي بني غافر يقع إلى الجنوب والشرق من مركز الولاية، يشقّ طريقه بين جبال الحجر الغربي في منظر يأسر العقل. تتناثر على جانبيه قرى صغيرة لا تزال تحمل أسماء تعود إلى القبائل التي سكنتها منذ مئات السنين، وهي قرى تحرص أجيالها على رواية حكايات الأجداد، ومن بينها الإشارة إلى تلك “الصخور المنقوشة” التي يمرّ بها الرعاة وحطّابو الجبل منذ الأزل دون أن يعيروها كبير اهتمام، لكنها باتت تشكّل للباحثين كنزًا أثريًا لا يُقدَّر بثمن.

وادي بني غافر: الجغرافيا والبيئة والذاكرة

يمتد وادي بني غافر عبر تضاريس وعرة تتراوح بين المرتفعات الصخرية الجرداء والمنحدرات التي تنمو عليها بعض الأعشاب الموسمية والأشجار الشحيحة كالسمر والسدر. والوادي جزء من شبكة هيدرولوجية قديمة أسهمت في إحياء ساحل الباطنة وتغذية أفلاجها الشهيرة. وقد اختار الإنسان القديم هذه الأماكن تحديدًا للنقش على صخورها، ولذلك أسبابٌ متعددة: فمسارات الوديان كانت طرق العبور الطبيعية للقوافل والقبائل الراعية، وصخورها الملساء الكبيرة كانت “لوحات” طبيعية مثالية، وقربها من مصادر الماء جعلها نقاط التقاء وتجمّع بشري منذ القدم.

ولعل ما يميز وادي بني غافر عن سواه من أودية الرستاق أنه يجمع في سياق جغرافي واحد بين طبقات زمنية متعددة من النقوش؛ فثمة ما يعود إلى الحقب الجليدية الذيلية قبل الميلاد بآلاف السنين، وثمة نقوش تعكس الحضارة الحديدية وعصر المعادن، وأخرى من الحقبة الإسلامية المبكرة، مما يجعل الوادي سجلًا تاريخيًا متواصلًا لحياة الإنسان في هذه المنطقة.

ما هي “رموز الدماء”؟ — توصيف وتحليل

يُداور المصطلح المحلي “رموز الدماء” — أو “نقوش الدم” كما يُسمّيها بعض أبناء المنطقة — حول نوع خاص من النقوش الصخرية يتسم بتفاصيل دقيقة تتصل بموضوعات الذبح والطقوس والصيد وربما الحرب. وقد ظل هذا المصطلح في طور الاستخدام الشفهي المحلي قبل أن يتلقّفه الباحثون المهتمون بالتراث غير المادي في السلطنة. والأرجح أن التسمية جاءت من ثلاثة احتمالات:

أولًا: أن النقوش تصوّر مشاهد طقسية تتضمن سفك الدماء، كالذبح أمام الأصنام أو الكهف المقدس، وهو شكل من أشكال القربان الذي عرفته معظم الحضارات القديمة.

ثانيًا: أن بعض هذه النقوش نُفِّذ أصلًا باستخدام مواد صبغية طبيعية ذات لون أحمر داكن، أشبه بلون الدم، وهو ما يُعرف في أدبيات علم الآثار بالنقوش “الكرونوخروم” أو المرسومة بأكسيد الحديد.

ثالثًا: أن المخيال الشعبي المحلي أسبغ على بعضها طابعًا أسطوريًا يربطها بأحداث تاريخية عنيفة أو وقائع حروب بين القبائل، فأُطلق عليها هذا الاسم توارثًا وتقليدًا.

وبصرف النظر عن منشأ التسمية، فإن “رموز الدماء” في وادي بني غافر تشمل أصنافًا متعددة من الرسوم الجدارية والنقوش البارزة، يمكن تصنيفها على النحو الآتي:

أصناف النقوش وأنواعها في وادي بني غافر

1. نقوش الحيوانات — عالم الصيد والاقتصاد البدائي

تُشكّل رسوم الحيوانات العمود الفقري للمعجم البصري لنقوش وادي بني غافر، وهي ظاهرة مشتركة مع معظم مواقع النقوش الصخرية في جنوب الجزيرة العربية وشمال أفريقيا والمشرق العربي. تبرز في هذه المشاهد حيوانات كالإبل بأوضاعها المختلفة — واقفة أو في حركة الجري أو محمّلة — وهي تعكس ارتباط الإنسان القديم بهذا الحيوان ارتباطًا وجوديًا. كذلك تظهر رسوم الوعل الجبلي (المها) بقرونه الطويلة المعقوفة، وهو حيوان مرتبط بالصيد وبالطقوس الدينية في آنٍ معًا لدى كثير من شعوب الجزيرة العربية القديمة، وكان يُرمز إليه بالقوة والخصوبة.

إلى جانب ذلك، ثمة رسوم لكلاب الصيد وهي تتبع فرائسها، وأشكال تشبه الطيور الجارحة كالنسور والصقور، وهو ما يشير إلى أن الصيد كان نشاطًا اقتصاديًا وطقسيًا معًا في آنٍ واحد. وقد نُقشت هذه الحيوانات بطريقتين: إما بالحفر العميق في الصخر “البترو غليف”، وإما بالرسم على السطح الصخري “الصور الجدارية”.

2. الأشكال الإنسانية — الإنسان في مرآة الزمن

تأتي الأشكال الإنسانية في المرتبة الثانية من حيث التوافر، وهي تتراوح بين رسوم ساذجة تختزل الجسم البشري في خطوط هندسية بسيطة “الأسلوب الخطي الخشبي”، وبين رسوم أكثر تفصيلًا تُظهر المقاتلين يحملون أسلحتهم من رماح وقسي وأتراس. ومن أبرز الأشكال الإنسانية المُصوَّرة في وادي بني غافر تلك التي توحي بطقوس الرقص أو التجمّع حول نار أو رمز مركزي، وهو ما قد يُشير إلى ممارسات دينية جماعية أو احتفالية.

وتجدر الإشارة إلى أن بعض الأشكال الإنسانية تُظهر أشخاصًا يحملون أدوات تشبه المعاول والمقاشط، وهو ما يفسره بعض الباحثين بوصفه تصويرًا لعمال المناجم أو حفّاري الأفلاج في حقب متأخرة، مما يستدعي إعادة النظر في التأريخ التقليدي لبعض هذه النقوش.

3. الرموز الهندسية والكتابية — أبجدية الغيب

ربما كانت الرموز الهندسية هي الأكثر إثارةً للجدل والتساؤل بين نقوش وادي بني غافر. تتضمن هذه الرموز دوائر ومربعات ومثلثات ومضلعات وأشكالًا نجمية ومتعرجة لا تبدو ذات معنى في نظرة عابرة، غير أن الدراسات المقارنة مع مواقع مشابهة في جنوب الجزيرة العربية واليمن وشمال أفريقيا تُشير إلى أن هذه الرموز قد تكون علامات قبلية أو حدودية، أو قد تنتمي إلى منظومة بدائية من علامات الكتابة المصوّرة التي سبقت الأبجديات المعروفة.

كما تُوجد في الموقع نقوش كتابية تنتمي إلى الخط المسند الجنوبي العربي، وهو الخط الذي كان سائدًا في جنوب الجزيرة العربية قبل الإسلام وخلال الحقب التي ازدهرت فيها ممالك سبأ وحمير وقتبان. ووجود هذا الخط في نقوش الرستاق وأوديتها المحيطة يعكس عمق التواصل الحضاري بين عُمان وجنوب الجزيرة العربية على مدى آلاف السنين.

4. مشاهد الطقوس والقرابين

هذا النوع تحديدًا هو ما يُقال إنه أعطى “نقوش الدم” اسمها. إذ تُظهر بعض اللوحات الصخرية مشاهد يصعب تفسيرها إلا في السياق الطقسي: حيوانات مذبوحة أمام أشكال تبدو كأضرحة أو مذابح، وأشخاص يرفعون أيديهم في وضعية التضرع أو التقديم، وأشكال لا يمكن وصفها إلا بأنها كائنات وسطى بين الإنسان والحيوان، وهي نوع من التصوير “الثيريانثروبي” الذي يُعدّ مؤشرًا قويًا على ممارسات شامانية أو دينية قديمة.

التأريخ والأزمنة: متى نُقشت هذه الرموز؟

يُعدّ التأريخ المطلق للنقوش الصخرية من أصعب التحديات التي تواجه الباحثين في علم الآثار، إذ لا يمكن تطبيق تقنية الكربون المشع على النقوش الحجرية المحفورة (البترو غليف)، وتحتاج الرسوم المصبوغة إلى تقنيات متقدمة ومكلفة للتأريخ. غير أن التأريخ النسبي بالاعتماد على الأسلوب الفني وطبيعة الأدوات والحيوانات المُصوَّرة يُتيح تقسيم نقوش وادي بني غافر إلى ثلاث مراحل زمنية رئيسية:

المرحلة الأولى: ما قبل التاريخ وبداياته، وتمتد من الألف الخامس وحتى الثالث قبل الميلاد. وتتميز هذه المرحلة بالنقوش الأكثر بدائية في أسلوبها، والأكثر اتصالًا بالبيئة الطبيعية المباشرة؛ الحيوانات الكبيرة، مشاهد الصيد، العلامات الهندسية.

المرحلة الثانية: العصر البرونزي والحديدي، بين الألف الثالث والأول قبل الميلاد. وهنا تظهر الإبل والأسلحة المعدنية والرموز الكتابية الأولى، مما يعكس التحولات الحضارية الكبرى التي شهدتها عُمان وارتبطت بالتجارة البحرية مع بلاد الرافدين وجنوب آسيا.

المرحلة الثالثة: ما قبل الإسلام وفجره، أي الحقبة الممتدة بين القرن الأول والسابع الميلادي. وتتميز نقوش هذه المرحلة بأسلوب أكثر دقةً وتفصيلًا، وتظهر فيها الكتابات المسندية بوضوح، وأحيانًا تُوجد نقوش عربية شمالية قديمة أو كتابية لا يمكن تحديد انتمائها بيسر.

دلالات الرموز: قراءات في المعنى والوظيفة

بين السحر والدين

يُجمع كثير من الباحثين في الفن الصخري القديم على أن النقوش والرسوم الجدارية لم تكن يومًا مجرد تسجيل جمالي للواقع المحيط، بل كانت تنطوي على وظيفة سحرية أو دينية أساسية. فالإنسان القديم حين يرسم الوعل على الصخرة قبل الخروج للصيد، إنما يُمارس نوعًا من السيطرة الرمزية على الفريسة، ويستجلب قوى الكون المساعدة على نجاح الصيد. وحين يُصوِّر مشاهد القربان، فإنه يُعيد إنتاج فعل التواصل مع الإلهي ويُثبّته في الزمن عبر الحجر.

في وادي بني غافر تحديدًا، يُلاحظ الباحثون أن بعض لوحات النقوش تتمركز قرب مواقع الينابيع والكهوف الطبيعية الصغيرة، وهو ما يُشير إلى أن هذه الأماكن اعتُبرت بوابات مقدسة أو نقاط تواصل مع عالم الأرواح. فالماء في الثقافات الصحراوية عمومًا له قداسة خاصة، وما يُحيط به يكتسب هالة من الرهبة والتبجيل.

الهوية والحدود القبلية

وظيفة أخرى محتملة للنقوش الصخرية في وادي بني غافر تتصل بتحديد الهوية القبلية والحدود الجغرافية للمجموعات البشرية. فكثير من الأوديان الجبلية في عُمان تحتضن منذ القدم نزاعات القبائل حول مصادر الماء وأراضي الرعي. ومن المرجح أن بعض النقوش الهندسية وعلامات الوسم تُمثل “أختام” قبلية تُعلن ملكية مجموعة بعينها لبقعة معينة أو مصدر مائي محدد، وهي أشبه بالإعلانات الحدودية التي لا تحتاج إلى لغة مشتركة لتُفهم، بل تكفيها قوة الرمز.

السرد والتوثيق

أما النقوش التي تُصوّر مشاهد صيد أو معارك أو رحلات بعيرية، فيُرجّح أن وظيفتها الأساسية كانت توثيقية سردية. فهي بمثابة “صحيفة” قبلية تُسجّل الأحداث الكبرى للجماعة وتحفظها للأجيال القادمة؛ مَن انتصر، ومن قتل الوعل الكبير، ومن قاد القافلة عبر الوادي. في ثقافة شفهية لا تعرف الكتابة، كان الحجر ورسمه الأمينَ الأوثقَ لحفظ الذاكرة الجماعية.

مقارنات إقليمية: نقوش عُمان في السياق العربي

لا تقف نقوش وادي بني غافر وحيدةً في الميدان، بل هي جزء من منظومة واسعة من مواقع الفن الصخري في شبه الجزيرة العربية. فنقوش جبة وشويمس في المملكة العربية السعودية، المدرجة على قوائم اليونسكو للتراث العالمي، تتشارك مع نقوش الرستاق الكثير من الموضوعات والأساليب، مع اختلاف في التفاصيل يعكس الخصوصية المحلية لكل منطقة. وكذلك نقوش الحنتوب والمشورة في اليمن، ونقوش وادي رم في الأردن، كلها تُشكّل أرخبيلًا من التعبير الإنساني القديم يكاد يصل الجزيرة العربية كلها ببعضها عبر خيط متصل من الرمز واللغة البصرية.

ما يُضفي على نقوش عُمان بوجه عام ووادي بني غافر بوجه خاص طابعًا متميزًا هو ارتباطها بحضارة “مجان”، تلك الحضارة العُمانية القديمة التي ذكرتها النصوص المسمارية السومرية منذ الألف الثالث قبل الميلاد بوصفها أرض النحاس وملتقى التجارة البحرية. فهل تُقدّم بعض نقوش وادي بني غافر تصويرًا لحياة أهل مجان وطقوسهم الدينية؟ هذا ما يسعى الباحثون إلى تحقيقه.

التهديدات والمخاوف: الإرث المهدَّد

مثلما هو الحال مع معظم مواقع الفن الصخري في العالم العربي، تواجه نقوش وادي بني غافر جملةً من التهديدات التي قد تطمس معالمها بشكل لا رجعة فيه:

أولًا: التوسع العمراني والبنية التحتية. مشاريع شق الطرق وتمديد الشبكات تُهدد المواقع الأثرية التي لم تُدرَس ولم تُوثَّق بعد، وبعض النقوش يُدمَّر قبل أن تطأها أقدام الباحثين.

ثانيًا: السياحة غير المنظمة. الزوار الذين يصلون إلى الوادي دون توجيه أو رقابة قد يُتلفون النقوش عن جهل، سواء بلمسها أو خدشها أو محاولة نسخها بطرق ميكانيكية خاطئة.

ثالثًا: عوامل التعرية الطبيعية. فيضانات الوادي الموسمية، وحرارة الصيف وبرودة الشتاء، وتغيّر المناخ الذي يُسرّع دورات الانتفاخ والانكماش في الصخر، كلها عوامل تُسرّع تدهور هذه النقوش.

رابعًا: الإهمال التوثيقي. فما لم يُسجَّل ويُصوَّر ويُحلَّل، يبقى في خطر الضياع الأبدي، خاصةً في ظل غياب مسح أثري شامل لمنطقة وادي بني غافر حتى الآن.

جهود الحفاظ والتوثيق: مسيرة طويلة

لم تبق وزارة التراث والسياحة العُمانية مكتوفة الأيدي أمام هذا الإرث المهدَّد. فقد شهدت السلطنة في العقود الأخيرة اهتمامًا متناميًا بالتراث غير المادي والمادي على حدٍّ سواء، وأُدرجت وادي بني غافر ضمن خرائط التراث الأولية التي ترصد المواقع ذات الأهمية الأثرية في منطقة الرستاق. كما تضمنت بعض المسوحات الأثرية التي أجرتها فرق دولية بالتعاون مع الجانب العُماني توثيقًا أوليًا لبعض هذه النقوش بالتصوير الفوتوغرافي والرسم التوثيقي.

غير أن الطموح يتجاوز ما تحقق بكثير. فمشروع توثيق شامل يعتمد التقنيات الحديثة كالتصوير ثلاثي الأبعاد والمسح بالليزر والتصوير بالطائرات المسيّرة هو ما تحتاجه هذه المواقع عاجلًا. وفي حال تحوّلت إلى موقع سياحي منظم، فإن ذلك سيُوفر لها الحماية والمورد الاقتصادي في آنٍ معًا.

الفن الصخري وهوية عُمان الثقافية

الحديث عن نقوش وادي بني غافر ليس حديثًا عن ماضٍ منتهٍ، بل هو حوار مع جذور الهوية العُمانية في أعمق طبقاتها. فعُمان بلد ظل على مرّ التاريخ يوازن بإتقان بين انفتاحه على البحر والعالم الخارجي من جهة، وتمسكه بخصوصيته الثقافية الموروثة من جهة أخرى. وهذه النقوش هي إحدى الطبقات الأعمق في هذه الخصوصية، إنها الخيط الرابط بين الإنسان العُماني المعاصر وأسلافه الذين كانوا يُطاردون الوعل في هذه الجبال ويُصلّون لآلهة لم تصلنا أسماؤها.

ومن هنا تأتي أهمية استيعاب هذا التراث في منظومة التعليم والسياحة والبحث العلمي العُمانية، لا بوصفه أثرًا متحفيًا باردًا، بل بوصفه جزءًا حيًا من السرد الوطني لشعب عريق في تاريخه متجذّر في أرضه.

مستقبل البحث: ما الذي ينتظر الكشف؟

يتفق الباحثون المتخصصون في الفن الصخري لمنطقة الخليج والجزيرة العربية على أن ما اكتُشف حتى الآن ليس سوى قمة جبل الجليد. فالرستاق وأوديتها المحيطة، ومنها وادي بني غافر، تحتاج إلى مسوحات منهجية شاملة تُشرك فيها الجامعات العُمانية والمراكز البحثية الدولية والمجتمعات المحلية. وثمة تساؤلات جوهرية لم تُجَب عنها بعد:

هل توجد نقوش في مناطق الوادي الداخلية التي يصعب الوصول إليها لم تصلها أقدام الباحثين بعد؟ وهل يمكن للدراسة المقارنة بين نقوش وادي بني غافر ونقوش ظفار والشرقية أن تكشف عن “خارطة لغة رمزية” تُغطي عُمان كلها في ما قبل التاريخ؟ وهل “رموز الدماء” المنقوشة مرتبطة بطقوس موسمية دورية مرتبطة بالفيضانات أو الحصاد أو الهجرة الرعوية؟

هذه أسئلة تبقى في انتظار أجوبة، وهي تستدعي استثمارًا علميًا حقيقيًا يجعل من وادي بني غافر ومنطقة الرستاق الأثرية بمجملها بؤرةً للاهتمام الأكاديمي العالمي.

خاتمة: رسالة الصخر إلى الأحياء

حين تقف أمام إحدى صخور وادي بني غافر وترى بأم عينيك ذلك الوعل المنقوش بيد بشرية قبل ثلاثة آلاف سنة، يعتريك شعور غريب بتقلص المسافة بين الأمس والآن. كان ذلك الإنسان يخاف ويحب ويصطاد ويُصلّي ويعمل ويموت، مثلك تمامًا. لكنه ترك أثرًا في حجر أصلب من الزمن، وكأنه يقول لك عبر ألف صمت: “كنت هنا. كنت مثلك. ولن أرحل ما دامت الصخرة قائمة.”

هذه هي رسالة “رموز الدماء” ورسوم وادي بني غافر الجدارية العتيقة: ليست مجرد علامات غامضة على حجر أصمّ، بل هي شهادة حي على استمرارية الوجود الإنساني في هذه الأرض، واستمرارية الحاجة إلى التعبير وإلى التواصل مع ما هو أكبر من الذات.

وعلى عُمان الحديثة أن تُصغي إلى هذا الصخر بكل ما أوتيت من أدوات العلم والتقنية، وأن تحفظ هذه الرسالة للأجيال القادمة التي ستأتي بعدنا وستنظر بدورها إلى هذه النقوش وتتساءل: من كان هؤلاء؟

فريق الموسوعة العمانية

فريق الموسوعة العمانية

محرر الموسوعة العُمانية