عمان في الأرشيف البرتغالي: الوثائق غير المترجمة عن حصار مسقط والمقاومة للاحتلال البرتغالي
تحتفظ خزائن الأرشيف الوطني البرتغالي “تورّي دو تومبو” (Arquivo Nacional da Torre do Tombo) في لشبونة بكنزٍ وثائقي ضخم يوثّق أكثر من قرن وخمسين عامًا من الوجود البرتغالي على السواحل العمانية، امتدّ من الاحتلال الأول لمسقط عام 1507م على يد أفونسو دي ألبوكيرك، وحتى التحرير النهائي على يد الإمام سلطان بن سيف اليعربي عام 1650م. هذه الوثائق – رسائل القادة، تقارير الحاميات، مذكرات نائب الملك في الهند، السجلات القضائية، وحتى شهادات الناجين من السفن الغارقة – تشكّل في مجموعها سردًا موازيًا للسرد العربي والعماني المعروف، سردًا كتبه الخصم بلغته هو، وبمنطقه الخاص في تبرير وجوده وتفسير هزيمته.
والمفارقة اللافتة أن الجزء الأكبر من هذا الكنز ظلّ لقرون حبيس اللغة البرتغالية القديمة وخط اليد الإنشائي (الباليوغرافيا) الذي يصعب على غير المتخصصين فكّ طلاسمه، فلم تُترجم إلى العربية إلا نسبة محدودة منه، وبقيت آلاف الصفحات – من رسائل الحصار الأخيرة، إلى تقارير الجواسيس، إلى مرافعات المحاكمات العسكرية بعد سقوط مسقط – في عداد “غير المترجم”، أي في منطقة عمياء بالنسبة للباحث العربي الذي لا يقرأ البرتغالية الكلاسيكية. هذا المقال محاولة لرسم خريطة لهذا الأرشيف، وتقديم قراءة تحليلية لما تكشفه هذه الوثائق – المترجم منها وغير المترجم – عن طبيعة الحصار الأخير على مسقط، وعن “نسق المقاومة” العماني كما انعكس، حتى في عدسة الخصم المنحازة.
أولًا: طبوغرافيا الأرشيف – أين تكمن هذه الوثائق؟
قبل الدخول في تفاصيل الحصار، من الضروري فهم البنية التي تنتظم فيها هذه الوثائق، لأن تشتتها هو أحد أسباب صعوبة الوصول إليها وترجمتها.
1. مجموعة “الأدراج” (As Gavetas da Torre do Tombo)
تُعدّ مجموعة “الجافيتاس” (الأدراج) واحدة من أهم الفهارس المنشورة جزئيًا، وقد جمعها المحقق أنطونيو دا سيلفا ريغو في اثني عشر مجلدًا بين 1960 و1977، وتحتوي على آلاف الوثائق المتعلقة بالتوسع البرتغالي شرقًا، ومن ضمنها رسائل ومراسلات تخص حصن هرمز ومسقط منذ الأربعينيات من القرن السادس عشر. غير أن هذا النشر – على أهميته – بقي باللغة البرتغالية الأصلية مع بعض التعليقات، ولم يُترجم بشكل منظم إلى العربية حتى اليوم إلا في مقتطفات متفرقة استخدمها باحثون عمانيون وخليجيون في دراسات أكاديمية محدودة الانتشار.
2. مشروع “البرتغال في بحر عمان” (Portugal in the Sea of Oman)
من أبرز المحاولات الحديثة لإخراج هذا الأرشيف من عزلته اللغوية، مشروع بحثي تعاوني جمع بين وزارة الأوقاف والشؤون الدينية العمانية، وجامعة آخن الألمانية، ومركز الدراسات التاريخية بجامعة لشبونة الجديدة (Universidade Nova de Lisboa). نتج عن هذا التعاون نشر أكثر من ألف وثيقة من أرشيف تورّي دو تومبو، تمتد من عام 1504 إلى 1697، في طبعة ثلاثية اللغة: الأصل البرتغالي، والترجمة الإنجليزية، والترجمة العربية. هذا المشروع – الذي وُصف بأنه إنجاز تحريري فريد في العالم العربي – يمثل أهم نافذة مترجمة حتى الآن، لكنه مع ذلك لا يغطي إلا جزءًا من المجموع الكلي للوثائق، خصوصًا تلك المتعلقة بالتفاصيل العسكرية الدقيقة لحصار 1650م والمحاكمات اللاحقة له في غوا ولشبونة.
3. سجلات نائب الملك في الهند (Monções do Reino)
تحتوي سلسلة “مونسويش دو رينو” (مواسم المراكب أو “الرياح الموسمية”) على آلاف الرسائل المتبادلة بين التاج البرتغالي في لشبونة ونائب الملك في غوا، وهي السلسلة التي تحمل تفاصيل القرارات العسكرية والإدارية الخاصة بحصون الخليج العربي، بما فيها مسقط. هذه السلسلة ضخمة الحجم، مكتوبة بخط يد إنشائي يتطلب تدريبًا متخصصًا في الباليوغرافيا البرتغالية لقراءته، وأغلبها لم يُحقَّق أو يُترجم بعد.
4. الوثائق القضائية والعسكرية – محاكمات ما بعد السقوط
من أكثر الزوايا إغفالًا في الدراسات العربية، ملفات التحقيق والمحاكمة التي فُتحت في لشبونة وغوا بعد سقوط مسقط عام 1650م، حيث أُمر بتوقيف قائد الحصن جوليان دي نورونها وإرساله إلى غوا للمحاكمة بعد أن وصلت أنباء معاهدة الصلح المهينة إلى الملك البرتغالي في 16 مارس 1650م. هذه الملفات – بما تحويه من شهادات وتقارير دفاعية ومرافعات – تمثل مصدرًا فريدًا لفهم “الرواية الداخلية” للهزيمة كما رآها المهزوم نفسه، وهي من أقل الوثائق ترجمةً وتداولًا في الدراسات العمانية.
ثانيًا: السياق التاريخي – من الاحتلال إلى الانهيار
لفهم ما تحمله هذه الوثائق، لا بد من استعادة الخط الزمني العام للوجود البرتغالي في عمان.
الاحتلال الأول والتثبيت (1507 – منتصف القرن السادس عشر)
دخل البرتغاليون مسقط أول مرة عام 1507م في إطار مشروع استراتيجي أوسع يهدف إلى التحكم في طرق التجارة بين المحيط الهندي والبحر الأحمر والخليج العربي، عبر السيطرة على النقاط المحورية: هرمز، مسقط، وعدن. بنوا الحصون – أبرزها قلعتا الجلالي والميراني المطلتان على ميناء مسقط – وفرضوا نظام “الكارتاز” (جواز العبور البحري المدفوع) على السفن المحلية، وهو ما حوّل التجارة البحرية في المنطقة إلى نظام جباية استعماري مباشر.
المحاولات العثمانية لاستعادة مسقط (1550-1554)
لم يكن العمانيون وحدهم في مواجهة الوجود البرتغالي؛ فقد سجّلت المصادر العثمانية والبرتغالية على السواء محاولات الأسطول العثماني، بقيادة بيري ريس أولًا ثم سيدي علي ريس، لكسر الهيمنة البرتغالية على المضيق. هاجم بيري ريس مسقط وقصف تحصينات البرتغاليين في مطرح فقتل الكثير منهم وطردهم منها، قبل أن يتجه إلى هرمز، لكن هذه الحملات – على شجاعتها – لم تُسفر عن تحرير دائم، وانتهت بإعدام بيري ريس نفسه في إسطنبول بتهمة مخالفة التعليمات. وفي 1554م خرجت معركة خليج عمان – بين الأسطول البرتغالي بقيادة دوم فرناندو دي مينيسيس والأسطول العثماني بقيادة سيدي علي ريس – بمثابة فشل كارثي للعثمانيين الذين فقدوا كل سفنهم، وهو ما يفسر جزئيًا لماذا تأخر التحرير الفعلي قرنًا كاملًا بعد ذلك، وأصبح في النهاية مشروعًا عمانيًا داخليًا خالصًا بقيادة دولة اليعاربة الناشئة، لا مشروعًا عثمانيًا أو خارجيًا.
نشوء دولة اليعاربة والمشروع التحريري المتكامل (1624-1649)
بعد عقود من التشتت السياسي الذي سهّل على البرتغاليين الاستمرار، شكّل انتخاب الإمام ناصر بن مرشد اليعربي إمامًا على عمان عام 1624م نقطة تحول جوهرية. فبعد أن وحّد البلاد داخليًا، بدأ مشروعًا عسكريًا منظمًا ومتدرجًا لإخراج البرتغاليين، لا بمعارك خاطفة بل بحصارات طويلة النفس وبناء قلاع مضادة. تمكنت قواته من إخضاع صحار عام 1643م بعد أن بنى العمانيون قلعة مقابل القلعة البرتغالية شارك في بناءها سكان المناطق القريبة من صحار، وهي استراتيجية حصار مضاد تكشف عن مستوى متقدم من التخطيط العسكري الهندسي، لا فقط الشجاعة الميدانية. توالت بعدها تحرير جلفار وصور وقريات، حتى لم يتبق للبرتغاليين عند وفاة الإمام إلا مسقط ومطرح وحصن في صحار. توفي الإمام ناصر بن مرشد في نزوى عام 1649م، تاركًا المهمة الأخيرة – تحرير مسقط نفسها – لخلفه.
الحصار الأخير وسقوط مسقط (1649-1650)
بويع سلطان بن سيف اليعربي إمامًا في 22 أبريل 1649م، وكرّس فورًا جهده لإنهاء الوجود البرتغالي نهائيًا. أثناء الحصار الذي ضربه العمانيون على مطرح ومسقط، تلقى الإمام معلومات من نروتم البانياني مكنته من دخول مسقط في يناير 1650م بسبب انشغال البرتغاليين باحتفالات رأس السنة الميلادية، وهي تفصيلة استخباراتية لافتة تكشف عن استخدام شبكة معلومات محلية متغلغلة وسط الجالية التجارية الهندية (البانيان) المقيمة في مسقط، لا مجرد هجوم عسكري عشوائي. بعد دخول المدينة، حاصرت القوات العمانية قلعة الجلالي حتى اضطر البرتغاليون إلى الانسحاب، وهذا ما حدث كذلك في مطرح فتحررت عُمان من السيطرة البرتغالية.
وتجدر الإشارة إلى أن هذا الحصار الأخير لم يكن الأول من نوعه؛ فقبله بعامين، في 16 أغسطس 1648م، حاصر القائد سعيد بن خلفان مسقط، واضطر البرتغاليون إلى طلب الصلح في 11 سبتمبر، ثم وقّعوا معاهدة في 31 أكتوبر 1648م تضمنت هدم حصون قريات وضبا ومطرح، وحرية تنقل السفن العمانية دون “كارتاز” في غير الأراضي البرتغالية. لكن هذه المعاهدة، حين وصلت أنباؤها إلى لشبونة في 16 مارس 1650م، أثارت غضب الملك البرتغالي الذي اعتبرها إهانة واستسلامًا غير مبرر، فأمر بتوقيف قائد مسقط جوليان دي نورونها وإرساله إلى غوا للمحاكمة – وهو القرار الذي يضع الإطار لفهم لماذا لم تُحترم شروط تلك المعاهدة لاحقًا، ولماذا تجدد الصراع حتى السقوط النهائي في يناير 1650م.
ثالثًا: ماذا تكشف الوثائق غير المترجمة عن “نسق المقاومة”؟
هنا تكمن القيمة الحقيقية للعودة إلى النصوص الأرشيفية الأصلية، بما فيها تلك التي لم تُترجم بعد، لأنها – حتى في انحيازها للراوي البرتغالي – تسرّب تفاصيل لا تظهر في الروايات العربية المتأخرة، وتسمح بإعادة بناء “نسق” أو منطق داخلي للمقاومة العمانية، بمعنى البنية المتكررة والمنهجية التي اتسمت بها استراتيجيات اليعاربة عبر عقود الصراع.
1. نسق الحصار المضاد كاستراتيجية متكررة
من أوضح الأنساق التي تتكرر في الوثائق – من صحار إلى مسقط – هو منطق “بناء القلعة المقابلة”، أي أن العمانيين لم يعتمدوا فقط على الهجوم المباشر أو الكر والفر، بل على محاصرة الحصن البرتغالي بحصن مقابل، يقطع خطوط التموين والاتصال تدريجيًا، بمشاركة شعبية من سكان المنطقة المجاورة، لا فقط بجيش نظامي. هذا النمط – الذي تؤكده المصادر العربية بخصوص صحار 1643م – تتقاطع معه التقارير البرتغالية حول الحصار الطويل لمسقط، التي تصف بإحباط متصاعد استنزاف الموارد وانقطاع الإمدادات البحرية بسبب الحصار البري المستمر.
2. الاستخبارات المحلية وشبكات المعلومات
تكرر في الوثائق – المترجم منها وغير المترجم – إشارات إلى الدور الحاسم للجالية التجارية الهندية (البانيان) في مسقط، التي كانت تتوسط اقتصاديًا بين الحاكم البرتغالي والسوق المحلي، وفي اللحظة الحاسمة انقلب هذا الوسيط الاقتصادي إلى مصدر معلومات استخباراتية حاسمة سمحت بتوقيت الهجوم بدقة على لحظة الانشغال البرتغالي بالاحتفالات. هذا التفصيل – الذي تؤكده الروايات العمانية – يفترض أن تكون له صدى موازٍ في تقارير الحاميات البرتغالية التي حاولت، بعد وقوع الكارثة، تفسير “كيف حدث هذا بهذه السرعة”، وهي بالضبط نوعية الأسئلة التي تُطرح في وثائق التحقيق والمحاكمة غير المترجمة بعد.
3. منطق التدرج الجغرافي: من الأطراف إلى المركز
يكشف الخط الزمني – صحار 1643، جلفار، صور، قريات، ثم مسقط ومطرح أخيرًا 1648-1650 – عن استراتيجية تدرج جغرافي مقصودة: عزل الحصن المركزي (مسقط) عن أطرافه وخطوط إمداده البرية والبحرية البديلة قبل مهاجمته مباشرة. هذا لم يكن صراعًا عشوائيًا متناثرًا، بل حملة ممتدة على ما يقارب ثلاثين عامًا (من بدايات ناصر بن مرشد حتى نهاية سلطان بن سيف الأول)، وهو ما تعكسه المراسلات البرتغالية المتزايدة القلق عامًا بعد عام في سلسلة “مونسويش دو رينو”، التي توثق – لو تُرجمت بشكل منهجي – تصاعد شعور الحامية البرتغالية بالعزلة المتنامية قبل سنوات من السقوط الفعلي.
4. الاستمرارية البحرية بعد التحرير البري
من النقاط التي تستحق تتبعًا أرشيفيًا أعمق، أن التحرير لم يتوقف عند إخراج البرتغاليين من اليابسة العمانية، بل تحوّل إلى حملات بحرية هجومية ضد القواعد البرتغالية في المحيط الهندي نفسه، حيث هاجم الأسطول العماني الناشئ مواقع برتغالية في بومباي عام 1661م، وديو عام 1668م، وهو ما يعني أن “نسق المقاومة” لم يكن دفاعيًا محضًا بل تحوّل، بعد بناء قوة بحرية عمانية مستقلة، إلى مشروع هجومي عابر للمحيط – تفصيلة تستدعي مراجعة الأرشيفات البرتغالية الخاصة بتلك المرحلة المتأخرة من العلاقات العمانية البرتغالية، وهي أرشيفات لا تزال إلى حد كبير بعيدة عن التغطية البحثية العربية الموسعة.
رابعًا: لماذا بقيت هذه الوثائق غير مترجمة؟ تحديات منهجية
ثمة أسباب بنيوية متعددة تفسر استمرار “الفجوة الترجمية” في هذا الملف:
أولًا، الباليوغرافيا: الخط اليدوي البرتغالي للقرنين السادس عشر والسابع عشر يتطلب تدريبًا متخصصًا منفصلًا عن مجرد إتقان اللغة البرتغالية الحديثة، إذ تختلف الحروف وأشكال الاختزال اختلافًا جوهريًا، وهو عائق يحدّ من عدد الباحثين العرب القادرين على التعامل المباشر مع الوثائق الأصلية دون وسيط.
ثانيًا، تشتت المجموعات: كما رأينا، الوثائق ليست في مجلد واحد بل موزعة بين “الأدراج”، و”المونسويش”، ومحفوظات غوا (التي انتقل جزء منها إلى الهند بعد الاستعمار البرتغالي لها)، والسجلات القضائية المنفصلة، وهو تشتت يصعّب حتى عملية الحصر الأولي قبل الترجمة.
ثالثًا، الأولويات البحثية: التعاون الأكاديمي العماني-البرتغالي-الألماني، على أهميته، ركّز بطبيعة الحال على الوثائق “التأسيسية” الكبرى (المعاهدات، رسائل الملوك، التقارير الرسمية الكبرى) أكثر من التركيز على التفاصيل الميدانية الدقيقة لحصار 1650م ومحاكماته اللاحقة، وهي تفاصيل قد تبدو “ثانوية” من منظور تحرير الوثائق الكبرى، لكنها بالضبط ما يحتاجه الباحث في “نسق المقاومة” وتفاصيله الميكانيكية اليومية.
رابعًا، محدودية التمويل والاستمرارية: المشاريع البحثية الكبرى التي تتطلب سنوات من التحقيق والترجمة الثلاثية تحتاج تمويلًا مستمرًا ومؤسسيًا، وهو ما لا يتوفر دائمًا بالوتيرة الكافية لتغطية آلاف الصفحات المتبقية.
خامسًا: أهمية استكمال هذا المشروع الترجمي
استكمال ترجمة هذه الوثائق ليس مجرد ترف أكاديمي، بل له أهمية مضاعفة:
من الناحية التاريخية، فإن مقارنة الرواية البرتغالية الداخلية (كيف فسّر الجنرالات والحكام البرتغاليون فشلهم لأنفسهم ولملكهم) بالرواية العمانية المتداولة، تسمح بإعادة بناء صورة أكثر دقة وتعقيدًا للحصار، متجاوزة الاختزال الذي يقع فيه أي سرد وطني أحادي الجانب، سواء كان عربيًا أو برتغاليًا.
ومن الناحية المنهجية، فإن دراسة “نسق المقاومة” – بمعنى البنية المتكررة، والمنطق العسكري الداخلي، وأنماط التحالف المحلي (كحالة البانيان) – تحتاج بالضرورة إلى مصادر الخصم لتُختبر وتُقارن، لا فقط المصادر المحلية التي قد تنزلق نحو السردية البطولية المختزلة على حساب التفصيل التشغيلي.
ومن الناحية الهوياتية والثقافية، فإن إخراج هذه الوثائق من حبسها اللغوي يمنح الأجيال الجديدة من الباحثين العمانيين والعرب القدرة على التعامل المباشر مع المصدر الأولي، دون وسيط أو تأويل مسبق، وهو ما يعزز استقلالية الإنتاج المعرفي حول هذه الحقبة المحورية من التاريخ العماني.
خاتمة
يمثل الأرشيف البرتغالي – بما يحويه من آلاف الصفحات غير المترجمة بعد – مرآة موازية، وإن كانت منحازة بطبيعتها، لتاريخ المقاومة العمانية ضد أطول احتلال أوروبي عرفته شبه الجزيرة العربية. من رسائل أفونسو دي ألبوكيرك الأولى عام 1507م، إلى تقارير الحصار الأخير ومحاكمات الضباط المهزومين عام 1650م، تكشف هذه الوثائق – كل ما تُرجم منها وما ينتظر الترجمة – عن نسقٍ متماسك من المقاومة العمانية: حصار مضاد بالبناء، استخبارات محلية متغلغلة، تدرج جغرافي مدروس، وتحوّل لاحق من الدفاع إلى الهجوم البحري العابر للمحيط. واستكمال هذا المشروع الترجمي – بما يتطلبه من تدريب متخصص في الباليوغرافيا البرتغالية، وتمويل بحثي مستمر، وتعاون مؤسسي عماني-برتغالي متجدد – يبقى واحدًا من أهم الاستحقاقات العلمية المعلّقة في الذاكرة التاريخية العمانية المعاصرة.